لتنجح هيئة النقل العام
أصدر مجلس الوزراء قراراً بإنشاء هيئة مسؤولة عن النقل العام داخل وبين المدن. هذا القرار الذي كان نتيجة المشاكل الإدارية والتقنية التي تعانيها كل مدن المملكة في هذا المجال الحيوي. فبعد الحوادث المؤلمة، والعقود غير الموفقة، والمشاريع التي لم تؤثر إلا سلباً في هذه الخدمة، أصبح من الواضح للجميع أن هناك حاجة إلى إعادة هيكلة جذرية لمكونات هذا القطاع.
يضاف إلى ما سبق ما ظهر أخيرا من أخطاء طالت الشركات التي تنفذ مشاريع أخرى كقطار الحرمين وشركة سار التي وقع لأحد قطاراتها حادث قبل أسبوعين بينما كان ينقل مواد خطرة، حيث خرج القطار عن مساره ما أدى إلى فقدان كمية كبيرة من المواد الكيماوية الضارة على البيئة، وهذا وقت مبكر جداً في عمر الشركة، تجلى حجم مشاكل الشركة في الإعلان الذي صدر أخيرا عن تأخر تسلم مشاريع مهمة وأساسية في خطة النقل البري بالقطارات.
يشمل القرار الذي صدر من المجلس الموقر عمليات النقل الجماعي البري داخل المدن وخارجها. هذا الجزء الذي كانت تتولاه شركة مساهمة عمرها يزيد على 30 عاماً، لم تقدم خلالها الشيء الذي يذكر، بل إن خدماتها تكاد تكون معدومة في النقل العام داخل المدن، وأداؤها غير مشجع في عمليات النقل بين المدن مقارنة بالأسعار والخدمات التي نشاهدها في دول أخرى.
طالب الكتاب والصحافيون ومن شاركوا في برامج حوارية والمواطنون بإيجاد الحلول. شكا الجميع من سوء الإدارة، وعانى منها مستخدمو هذه القطارات التي كانت تسير بسرعة السلحفاة وكانت كل رحلاتها محجوزة ومع ذلك كانت تخسر باستمرار. هذه العناصر هي مؤشرات مهمة بأن الوضع خطير. تضخم المشاكل، واستمرار الحوادث، والنقد المستمر يجب أن يتابع من قبل الجهات المسؤولة ويطلع عليها متخذ القرار ليتعرف على المشاكل ويقوم بحلها قبل أن تتحول إلى مصائب.
هذا يعيدني إلى موضوع كتبت فيه وناقشته في مؤتمرات عديدة وهو ''إدارة الأزمة''. إن تتبع الوضع في المنشأة وتحديد معايير ومؤشرات لإمكانية وجود المشاكل، تسمح للمسؤول أن يكتشف المشاكل قبل حدوثها، أو في حالة أقل مثالية توقع هذه المشاكل. لكن حالة النقل هذه كانت مكشوفة بشكل يجعل الاعتقاد يسود بأن هذا القرار ليس كافياً، إنما لا بد من تحقيق موسع يمنع تكرار المشاكل مستقبلاً في قطاعات الدولة. إن أسلوب العفو والصفح عن مرتكبي المخالفات الكبرى التي تضر بمصالح الوطن وتتغذى على مكتسباته يجب أن يتوقف، ويحل محله مفهوم المحاسبة التي لا تعترف بالتقاعد أو التقادم، إنما حفظ حق المواطن والوطن ممن يسلبونه حقوقه التي لا تسقط بالتقادم أو التقاعد.
يتبع لمفهوم المحاسبة الحقيقية، إعطاء الكيان الجديد كل مقومات النجاح. هذه المقومات تشمل في البداية اختيار الإدارة العليا التي تستطيع أن تحقق النتائج بغض النظر عن جنسيتها، ومن ثم توفير المخصصات المالية الملائمة، وإعطاء الصلاحيات التي تساعد على تنفيذ العمل على أفضل وجه سواء في مشاريع البنية التحتية أو مرافق الخدمة أو القطارات والحافلات التي ستعمل في هذا المجال. يضاف إلى ذلك تمكين هذه الوسائط من المنافسة من خلال القوانين والتعليمات التي تدعم توجه الناس نحو استخدام هذه الوسائط.
يجب أن تنفذ الهيئة الجديدة مشاريعها وخدماتها على أعلى المستويات العالمية وبتكاليف معقولة، وهناك معايير عالمية لأعمال إنشاء السكك الحديدية وإدارتها وتشغيلها. إن الصعوبة التي واجهتها إدارات نتجت عن محدودية الخبرة في مجال تقني حديث مثل هذا، يظهر ذلك في مشاكل شركة النقل الجماعي التي لمديريها صلاحيات مفتوحة ومع ذلك لا نتائج ملموسة.
أقترح في هذا الإطار أن تشكل إدارة الهيئة الجديدة من مختصين أجانب لهم باع طويل في مجال النقل سبق أن نجحوا في إنشاء وتشغيل خطوط أكثر صعوبة وتعقيدا من الشبكة التي نخطط لها، يمكن الاستفادة من تنفيذيين حققوا نجاحات في المجال، هذا أول إجراء يجب أن يطبق في مجال كهذا، يمكن في مرحلة لاحقة حقن السعوديين من خلال برنامج علمي يشابه ما تم في شركة أرامكو السعودية.
الإجراء الثاني يتلخص في جمع كل المشاريع ضمن حزمة واحدة وتحت إشراف الهيئة ويطبق عليها أعلى مواصفات الجودة والتميز العالمية، وعدم قبول أنصاف الحلول، أو مواصفات تقل عن الأفضل لأن هذه الشبكات ستعيش مع الناس سنين طويلة، ويجب أن تصبح الخيار الأول للجميع. ضمن هذه الخطوة يجب إلغاء جميع العقود بالقوة القاهرة ودراستها من جديد ومنع أي شركات لا تملك الخبرة الكافية من دخول أي منافسات تخص هذه المشاريع. يجب كذلك منع قضية الإلزام بالتحالف مع شركاء سعوديين، لأن هذه الأسلوب أثبت فشله، لأن الشريك السعودي لا يملك الخبرة ولا يستفيد منه المشروع، إنما يحصل على المزايا المالية فقط. عليه أعتقد أن الأولى هو منع الشركات السعودية من دخول هذه المنافسات من الأساس.
يجب كذلك تشجيع استخدام وسائل النقل العام من خلال دعم مشاريع الهيئة لتدير عمليات نقل الطلاب والطالبات، وإيجاد رسوم استخدام المرافق على السيارات التي تتجاوز اثنتين لكل أسرة، ومنع موديلات معينة من تجديد رخصة السير وتطبيق ذلك بشدة، ومنح هذه الهيئة الصلاحية الكاملة في إدارة الحركة داخل المدن الكبيرة، مثل منع دخول السيارات الصغيرة لأجزاء معينة من المدينة، والتحكم في حركة السيارات الخاصة في أوقات الذروة، وإصدار التراخيص اللازمة للحركة في المواقع المحظورة من المدن.
الإجراء الأخير هو التقنين بتعويض ملاك الأراضي التي تقع على مسار القطارات بأراض بديلة ومنع التعويضات المالية التي سترهق المشاريع أو توقفها وتحرم المواطن من الاستفادة من خدمة أصبحت متوافرة لعدد من أفقر دول العالم. الأهم في هذا كله هو الطاقم الإداري التنفيذي الذي يجب أن يكون قد عمل ونجح وحقق أرباحاً في دول أخرى.