اقتصاد العالم خلاصة

هذا عنوان ملحق لجريدة ''الفاينانشيال تايمز'' البريطانية الشهيرة، صدر نهاية الأسبوع الماضي. وخلاصة ما فيه أن اقتصاد العالم واقع تحت خطر انكماش مزدوج. انكماش اقتصادي أعقبه نمو سرعان ما يحل مكانه انكماش.
والخطر مصدره الاقتصادات المتطورة، أو ما يعرف بهذا الاسم. تلك الاقتصادات تجاهد لحفز النمو. في الوقت نفسه تجاهد الاقتصادات المتصاعدة بقيادة الصين على الاحتفاظ بمعدلات النمو الاقتصادي المحققة خلال السنوات الماضية، لكن الأمور لا تسير كما تريد هذه الدول. بل المخاطر أن تنزلق تلك الاقتصادات إلى معدلات نمو أقل قد أصبح هذا الخريف أقوى عما قبل.
وصدر خلال هذا الشهر تقرير صندوق النقد الدولي نصف السنوي ''آفاق اقتصاد العالم''، وتصدرته كلمة كبير اقتصاديي الصندوق بلانشارد، التي قال فيها إن اقتصاد العالم محاط بالمجهول، والذي منع الشركات من الاستثمار والعائلات والأفراد من الإنفاق. والمقصود طبعا منعهم من التساهل في الإنفاق بالوتيرة التي كانت خلال العقد الماضي.. لماذا؟ هناك قلق عميق من مصير اليورو، ومن مصير السياسة المالية في أوروبا وفي أمريكا. هل بإمكان الساسة الأوروبيين وضع اليورو تحت رقابتهم؟ هل بإمكان هؤلاء الساسة وساسة أمريكا ومعهم شعوبهم التوصل إلى اتفاق على خطط المالية العامة؟ الشكوك كبيرة. مصير الاقتصاد العالمي مرتبط إلى حد كبير جدا بمسار الأحداث في أكبر ثلاثة تجمعات اقتصادية على مستوى العالم: منطقة اليورو وأمريكا والصين.
إثر الأزمة المالية العالمية خلال عامي 2008 و2009، قفز نمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 5 في المائة عام 2010، لكنه سرعان ما انتكس في العام التالي إلى أقل من 4 في المائة. ويشير صندوق النقد الدولي في آخر تقديراته إلى نمو في حدود 3 في المائة، يتوزع بين قرابة 5 في المائة في الاقتصادات الصاعدة وأكثر من 1 في المائة بقليل في الاقتصادات المتطورة.
في هذا الأسبوع، سيجتمع في طوكيو وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في دول العالم بما يعرف باللقاء السنوي للأخوين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وأمام هؤلاء الوزراء والمحافظين مشكلة الانكماش المزدوج العالمي، وتبعا له مشكلة البطالة العالمية.
على رأس المشاكل مشكلة اليورو. مشكلة الأدوات التقليدية للسياسة النقدية أنها لم تعمل لمعالجة هذه المشكلة المبنية على مشكلات المالية العامة للدول الأوروبية ذات عجوزات الميزانية العالية مقرونة بديون عامة عالية جدا. كما أنها لا تصلح لمعالجة فقد التوازن الاقتصادي بين الدول الأوروبية الذي هو أساس المشكلة.
يعمل البنك المركزي الأوروبي جاهدا على جعل طبيعة اليورو غير قابل للإلغاء، لكن الأمر لا يعتمد على سلوك هذا البنك، بقدر ما يعتمد على سلوك ألمانيا ودول أخرى.
وأما أمريكا، فهناك بصيص أمل من تحسن البطالة. النتائج للشهر الماضي أظهرت تحسنا في معدل البطالة الأمريكي. لكنه تحسن بطيء جدا، مقرون بتضليل بعض الشيء. تنكمش الطبقة المتوسطة، ويسحق التضخم كثرة من الناس، ويتقاضى كثيرون رواتب هزيلة، ولو أنهم معدودون ضمن الطبقة العاملة لا العاطلة.
نعرف السباق الرئاسي هناك: كل طرف يهاجم ما يراه نقاط ضعف في الخصم. وتحتل السياسة الاقتصادية جزءا كبيرا من هذا السباق والهجوم.
أوباما ورومني كلاهما يتنافسان في كيفية معالجة الضعف الاقتصادي. وقد استغل الأخير هذا الضعف ليروج لفكرة أن أمريكا بحاجة إلى صناعة وظائف كثيرة.. كيف؟ هو يرى أن أوباما أضعف الطبقة المتوسطة عبر سياسات إدارته. أوباما يطلب إعطاءه مزيدا من الوقت.
في إطار إمكان تحقيق مكاسب مع الوقت، يعرف القراء أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ''الفد'' قرر الشهر الماضي ضخ عشرات المليارات من الدولارات شهريا في الاقتصاد. لكن كثيرين يشككون في جدوى تحرك الاحتياطي «الفد». فزيادة الضرائب وخفض الإنفاق لخفض العجز، يعملان على معاكسة الهدف من خطوة «الفد» وهو حفز الاقتصاد.
وأما الصين، فإن النمو الاقتصادي فيها يشهد تراجعا بما يعادل الثلث تقريبا مقارنة بالوضع قبل 2008. الأسباب واضحة: اعتمد النمو الاقتصادي الصيني على التصدير إلى حد كبير. لكن التصدير يواجه تراجعا بسبب ضعف الطلب في أسواق العالم. والإنفاق الاستثماري في الصين وصل حدوده. وهذا يعني ببساطة أن التراجع في الاستثمار سيترجم إلى انخفاض حاد في نمو اقتصاد الصين. ومن ثم يتبقى الاستهلاك كمحرك لنمو الاقتصاد. لكن هذا التحول في الاقتصاد الصيني وفي الثقافة الصينية يتطلب وقتا طويلا. وهذا يعني أنه لا سبيل من انخفاض معدل النمو الاقتصادي. ويمكن أن تسهم إصلاحات عميقة في السياسات الاقتصادية داخل الصين في تحسين هذا النمو. وتتركز هذه السياسات على إصلاحات سياسية واقتصادية وتخفيف قبضة الدولة الاقتصادية.
يتبقى بقية دول العالم. تطورات أوضاعها الاقتصادية تابعة إجمالا لتطورات أوضاع الكتل الثلاث السابقة، خلاف أن المقال سيطول عند الحديث عنها. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي