معلمون مع وقف التنفيذ
تواجه المملكة تحديات كبرى أنتجتها الطفرة السكانية التي جعلت أكثر من 80 في المائة من مواطنيها تحت سن 25. ينتمي هؤلاء إلى منظومة التربية والتعليم بشقيه العام والجامعي. ومع ظهور هذه التحديات، كان لابد أن تجابه بالتخطيط السليم الذي تضمن من خلاله الدولة أن يكون جميع مواطني المملكة مشمولين في برامجها التطويرية والخدمية والوظيفية.
إن مراقبة ما يحدث اليوم في جميع القطاعات يوحي بوجود خلل كبير في التخطيط الذي يُفترض أن يستوعب جميع متطلبات المواطن بدءاً بالمتطلبات الأساسية التي سماها ''ماسلو'' المتطلبات الجسدية، مروراً بالمتطلبات الأمنية التي تشمل الأمن الصحي والوظيفي والأسري وأمن الممتلكات. نقص هذه المتطلبات بدأ يوحي بخلل في وظيفة التخطيط والمتابعة الدقيقة لمخرجات الخطط وتواؤمها مع الواقع.
لم يعد بالإمكان تقبل الخطط الإنشائية التي تبنى على مفردات، مثل ''تهدف هذه الخطة إلى تحقيق الأمن الغذائي أو الأمن الصحي أو أمن المنشآت''، دون أن تناقش مفردات كل نوعية من نوعيات الأمن بأسلوب رقمي علمي يمكن الاعتماد عليه في محاسبة الجهات المسؤولة عن توفير هذا الأمن. فعند الحديث عن الأمن الغذائي لابد أن نتحدث عن كميات وأرقام يعتمد عليها في مجال دعم الزراعة، تربية المواشي وحماية الأسعار، وتحديد الجهات المسؤولة عن الرقابة وطريقة تقويم أداء هذه الجهات. من غير المعقول أن يعلن الوزير المختص أنه لا يمكن للمواطن أن يتناول اللحوم الحمراء دون أن يبرر موقف وزارته وهي المسؤولة عن السيطرة على أسعار المواشي وضمان توافرها بالكميات الكافية بمختلف الأساليب، وهو جزء من المسؤولية التي يجب أن تحاسب عليها الوزارة كهدف يجب أن تحققه.
إن انعدام الانضباط لدى بعض الجهات المسؤولة عن خدمة المواطن أدى بالمواطنين إلى انتهاج وسائل أرى أنها تجسد رفضهم لأداء الوزارات المختصة مثل مقاطعة سلعة معينة باتفاق جماهيري. هذا الحال ''مقاطعة لحوم الدواجن'' ما يزال مستمراً حتى كتابة هذا المقال، أي أن المواطنين أخذوا على عاتقهم تنفيذ عمليات حماية المجتمع من جشع التجار وسوء إدارة الموارد في مختلف القطاعات. يتبع ذلك الأخطاء والنقص الذي يعانيه المواطنون في مختلف جزئيات الأمن الذي تشمله احتياجات الإنسان، ومن ضمنها الأمن السكني الذي لا نزال نواجه إشكالية كبيرة في إقرار الوسائل التنفيذية لتحقيق احتياجات أسر المملكة التي تزداد بشكل متسارع لا تتجاوب مع ما تنفذه الوزارات والصناديق والهيئات والمؤسسات المعنية. الغريب أننا اكتشفنا أن الدواجن تباع بضعف سعرها، ولكن بعدما قاطعنا السلعة، وأرجو أن تأخذ الجهات المسؤولة عن حماية المواطن العبرة من هذه الحالة.
يأتي في قمة أولويات الإنسان الأمن الوظيفي، وهذا يلزم الدولة باعتماد وسائل تحكم وتضبط مختلف مكونات سوق العمل في القطاع العام والقطاع الخاص لضمان توافر الوظائف للمؤهلين وإعطائهم أولوية الحصول على وظائف وطنهم. إن الجهد المبذول من قبل وزارة العمل يعاني نقصا أساسيا في السيطرة على السوق وهي إشكالية الحد الأدنى للأجور الذي تسبب في تدنيه برنامج نطاقات، عندما اعتبر أن الحد الأدنى للأجور هو ثلاثة آلاف ريال، وهو مبلغ زهيد لا يلبي متطلبات أي مواطن ''مع احترامي لرأي الشيخ سليمان الراجحي''. كما أخطأت الوزارة عندما تقبلت أن يكون هناك أشخاص يحصلون على رواتب أدنى من ذلك، بل ووافقت على أن يحتسب من يحصل على مبلغ 1500 ريال بحكم نصف شخص في نسبة السعودة. هذا التنظيم سيؤدي إلى ''السخرة''، ويحول المواطنين نحو الوظائف الخدمية ويُبقي السيطرة على القطاع بيد الأجانب خصوصاً أن البرنامج لم يلزم الجهات الموظفة بسعودة الوظائف القيادية ــ وأهمها وظيفة مدير الموارد البشرية ــ والتنفيذية والتخصصية، وإنما يتحدث عن السعودة بشكل رقمي محدود.
يمكن أن أضيف هنا جزئية أساسية في تحديد الوظائف المراد سعودتها باعتماد المعلومات المتوافرة لدى صندوق الموارد البشرية التي تعتبر مديرة برنامج ''حافز''. يوفر البرنامج معلومات إحصائية يمكن أن يعتمد عليها برنامج نطاقات في عمليات تحديد الوظائف المستهدفة بالسعودة.
يأتي يوم المعلم ونحن نعيش إشكالات توظيف أبناء وبنات الوطن في قطاع التربية في مختلف أنحاء المملكة. معلوم أن النمو السكاني الكبير الذي تعيشه المملكة، يستدعي أن يتم تعيين أعداد أكبر من المعلمين والمعلمات. فبرغم توظيف أعداد غير مسبوقة هذا العام في مختلف مدارس المملكة، وصدور الأمر الملكي الكريم القاضي بسد الفجوة الموجودة بين رواتب العاملين في القطاع العام وزملائهم الذين يعملون في القطاع الخاص.
استغلت المدارس الخاصة هذا الأمر ليكون وسيلة ضغط على المعلمات والمعلمين من خلال توقيعهم على رواتب أعلى من الرواتب التي يتقاضونها في الواقع. يضاف إلى وسيلة الضغط السابقة وسيلة أخرى تستخدمها المدارس هي عبارة عن الفصل التعسفي الذي لا يوجد من يحمي المعلمين منه. يبقى المسؤول في المدارس الخاصة غير مقدر لما تقدمه الدولة من إعانة لتطوير التعليم، وغير محقق للمسؤولية التعليمية الملقاة على عاتقه باعتباره مسهماً في عمل أخلاقي ديني تحكمه قواعد أهمها العناية بمستوى التعليم والتربية في المدرسة، والذي يعتمد على العناية بالنواحي النفسية للعاملين والعاملات.
لابد أن تعمل الدولة على سن قوانين شديدة في مجال حماية الروح المعنوية والأمن الوظيفي للمعلمين والمعلمات الذين ينتمون إلى مدارس القطاع الخاص، ومنع التسلط الذي يعانونه من قبل ملاك لا يحترمون مفهوم التربية وأهمية التعليم، وجهات تنظيمية تضغط في سبيل حرمان هؤلاء من أبسط حقوقهم الوظيفية من خلال إدخال معاملاتهم في دهاليز الإدارة والبيروقراطية القاتلة التي حولهم إلى معلمين مع وقف التنفيذ.