هفوات مجموعة سيتي حول استهلاك المملكة من الطاقة
أصدرت مجموعة سيتي المالية تقريرا عن البتروكيماويات السعودية في الرابع من أيلول (سبتمبر) 2012. وتضمن التقرير مناقشة لاستهلاك المملكة المحلي من الطاقة، حيث توقع التقرير أن تبدأ المملكة في استيراد النفط بعد عام 2030، وذلك بسبب معدلات نمو الاستهلاك المحلي المرتفعة التي افترضها معدو التقرير. وسيتم في هذه المقالة التطرق إلى معدل استهلاك المملكة من الطاقة الذي يمثل حجر الأساس في النقاش الذي تديره الكثير من الدوائر المحلية والعالمية حول تسارع استهلاك المملكة من الطاقة. وسيتم التطرق في المقالة القادمة إلى عدد من الهفوات التي وردت في التقرير.
حاول التقرير إظهار أن معدل استهلاك الفرد في المملكة من الطاقة مرتفع جدا، وذلك بإظهار مقارنة لمعدلي الاستهلاك في دولتين متقدمتين هما كوريا والولايات المتحدة. وأشار إلى أن استهلاك الفرد في المملكة بلغ نحو 7.7 طن من النفط المكافئ في عام 2011، وهو أعلى من معدلات استهلاك الفرد في الولايات المتحدة التي بلغت 7.2 طن من النفط المكافئ للعام نفسه. ونوه التقرير إلى أن ارتفاع معدلات استهلاك المملكة من الطاقة حدث على الرغم من كون عدد سكانها أقل من سكان الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وهذه أولى هفوات التقرير، حيث لا توجد علاقة محددة بين حجم السكان ومعدلات استهلاك الفرد من الطاقة، فمعدلات استهلاك الطاقة في الصين والهند أقل بكثير من نظيراتها في الدول المتقدمة. ويبدو أن معد أو معدي التقرير تناسوا أن نسبة أي متغير للفرد يحيد عامل حجم السكان.
وعند التدقيق في بيانات استهلاك الفرد من الطاقة لعام 2011 التي وردت في التقرير، أحدث معدو التقرير زيادة بسيطة في معدلات استهلاك الفرد في المملكة (الفعلي 7.3 طن للفرد حسب المصادر المحلية في عام 2011، و7.5 حسب بيانات شركة شل وشركة النفط البريطانية). كما أظهر التقرير خفضا بسيطا لمعدلات استهلاك الفرد من الطاقة في الولايات المتحدة (نحو 7.3 طن للفرد في عام 2011 حسب تقريري شركتي شل والنفط البريطانية). ويبدو أن الهدف من التلاعب قليلا في البيانات هو إيجاد انطباع بارتفاع معدلات استهلاك الفرد في المملكة من الطاقة. وتجنب معدو التقرير مقارنة معدل استهلاك المملكة من الطاقة مع الدول التي تملك ظروفا مناخية خاصة أو تتشابه مع المملكة وتقع في حيزها الجغرافي، فلو تمت مقارنة معدل استهلاك الفرد في المملكة من الطاقة مع المعدلات نفسها في كندا التي لديها ظروف مناخية خاصة مثل المملكة لوجدنا معدلات استهلاك الطاقة في المملكة أقل بكثير من المعدلات في كندا. من جهةٍ أخرى تقل معدلات استهلاك الفرد من الطاقة في المملكة عن نظيراتها في الكويت وقطر والإمارات، وهذه الدول مجاورة للمملكة وكان من الأولى أن تقارن معها، وذلك لتشابه الظروف الجغرافية والخصائص السكانية.
وأغفل معدو التقرير حقيقة أن هناك جزءا كبيرا من استهلاك الطاقة الإجمالي في المملكة يتحول إلى منتجات صناعية أخرى يصدر معظمها للخارج. وإنصافا للحقيقة فإن استهلاك الصناعات البتروكيماوية والكيماوية من منتجات الطاقة يرفع من معدلات استهلاك الطاقة للفرد، على الرغم من أن استهلاك هذه الصناعات للطاقة أو منتجاتها يرفع القيمة المضافة لمنتجات الطاقة، وهو أمر مرغوب ومندوب وإحدى السياسات الرئيسة التي تتبعها المملكة لرفع معدلات النمو الاقتصادي. ونظرا لعدم توافر بيانات دقيقة حول حجم الغاز وسوائل الغاز ومنتجات النفط التي تستهلكها الصناعات البتروكيماوية أو الكيماوية، فإن من الصعب تحييد هذا الجزء من استهلاك الطاقة. وحسب تقديراتي الخاصة فإن ما لا يقل عن 20 في المائة من إجمالي استهلاك المملكة من الطاقة يذهب لهذه الصناعات، وقد تصل هذه النسبة إلى نحو ربع إجمالي استهلاك المملكة من الطاقة. ومن المحتمل أن ترتفع هذه النسبة إذا استمر الدعم الحالي في أسعار اللقيم لهذه الصناعات. صحيح أن الدول الأخرى لديها صناعات كيماوية وبتروكيماوية إلا أن تركز هذه الصناعات أقل من تركزها الحالي والمستقبلي في المملكة. ولهذا ينبغي تحييد استهلاك الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية في المملكة من استهلاك الطاقة حتى يمكن التعامل بطريقة سليمة مع قضايا استهلاك الطاقة. ولو تم تحييد استهلاك هذه الصناعات من استهلاك الطاقة فإن معدلات استهلاك الفرد في المملكة ستنخفض إلى نحو 5.8 طن للفرد أو 5.5 طن. ولا ينكر أحد أن هذا المعدل مرتفع، لكنه أقل بكثير من المعدلات السابقة. إن من الواضح أن هذا التقرير يتضمن تحاملا ضمنيا على المملكة، ويحتوي على العديد من الهفوات في مجال النقاش عن استهلاك المملكة من الطاقة، التي أرجو ألا تكون متعمدة. ويرسم التقرير بهذه الطريقة صورة فيها نوع من القتامة حول مستقبل الصناعات البتروكيماوية والكيماوية في المملكة بدلا من التشجيع على الاستثمار فيها.