عندما تطغى الإدارة على السياسة
يلاحظ المراقب للشأن العام أن هناك سيطرة للبيروقراطيين على صناعة القرار العام دون رقابة مجتمعية من قبل المجالس النيابية. فمع وجود مجالس الشورى والمناطق والمجالس المحلية والبلدية إلا أنها مجالس استشارية ليست لديها سلطات نافذة على الأجهزة الإدارية توجيها ورقابة ومساءلة ومحاسبة. وهذا الانفلات البيروقراطي (إن صح التعبير) مصدر الكثير من المشكلات الإدارية والاجتماعية والاقتصادية. وقد يكون غياب الرقابة النيابية سبب تفشي الفساد الإداري الخفي والظاهر. والفساد الإداري لا يقصد به هنا فقط استغلال الوظيفة العامة لتحقيق مصالح خاصة وحسب، لكن صنع القرارات العامة واستخدام الموارد بطريقة غير كفوءة ما يكون لها آثار سيئة في المجتمع لمدى طويل. فهناك الكثير من الفرص الضائعة والمخصصات المالية الضخمة لو وظفت توظيفا صحيحا لكنا أكثر قدرة على مواجهة التحديات ومعالجة المشكلات، خاصة تلك التي لها تداعيات سلبية وتمتد لتطول الجميع دون استثناء مثل البطالة والفقر وما تفرزه من سلوكيات خاطئة تراوح بين ارتكاب الجريمة واستخدام المخدرات إلى بطء نمو الاقتصاد الوطني.
مشكلة البيروقراطيات العامة أنها منكفئة على نفسها متحوصلة للداخل تعتمد في قراراتها على الإجراءات الداخلية النمطية الثابتة، وبالتالي لا تستطيع استيعاب المتغيرات والاستجابة للمستجدات وتلبية الاحتياجات المجتمعية. وعلى أن هذه الثبوتية صفة التميز للبيروقراطية القصد منها تقديم الخدمة بمهنية وبالعدل والمساواة، إلا أنها تحتاج إلى التوجيه الاجتماعي لتعكس قراراتها ليس فقط النواحي الفنية، لكن أيضا الرأي العام وقيم المجتمع وتطلعاته. لا يمكن قبول أن يكون البيروقراطيون في حصانة من مراقبة ومساءلة مجتمعية، فالبيروقراطيون الذين يفترض أن يكونوا في خدمة الناس، أي هم خدام للمواطنين بمسمى النظام الذي يعملون من خلاله (نظام الخدمة المدنية)، فكيف يصح أن يتعالوا على المواطنين الذين وضعوا من أجل خدمتهم حتى أصبح المراجع يستجدي الخدمة استجداء. إنه وضع غريب وعجيب انقلبت فيه الموازين والقيم والأدوار رأسا على عقب ليصبح السيد خادما والخادم سيدا! وما هذا إلا لضعف صلاحيات وأدوار المجالس النيابية التي تمثل الناس والسبيل الوحيد لإبداء آرائهم والمشاركة في صنع القرارت التي تهمهم.
لقد كان الخوف من التعدي على حقوق المواطنين وحرياتهم من خلال القرارات البيروقراطية هاجسا يؤرق المجتمعات الغربية وسياسييها ومفكريها. هذا التخوف منشأه أن القرارات البيروقراطية في أصلها فنية وليست سياسية. والمقصود بالسياسة هنا عملية صناعة القرار العام وما تتضمنه من حوار ومفاوضات بين الأطراف المختلفة للوصول إلى صيغة توافقية تستجيب بحد أدنى لمطالب كل طرف. لذا كانوا يرون أن القرارات البيروقراطية لا تمثل رغبة الناس وتطلعاتهم، إنما الآراء الفنية للإداريين. لقد كان الخوف من تسلط البيروقراطيين في النظم الديمقراطية السبب الرئيس وراء تأخر الاعتراف بالإدارة العامة كمجال علمي متخصص، إذ لم يكن معترفا بها كمجال ممارسة له متطلباته وقواعدة ومعاييرة المهنية ويستلزم دراية فنية متخصصة. فكان المشرعون والقضاة والسياسيون التنفيذيون في تلك المجتمعات الديموقراطية يمارسون الإدارة بحكم تمثيلهم الشعبي الذي يتيح لهم صنع القرارات ليس التشريعية والعدلية فقط، بل حتى التنفيذية الفنية التي تقع خارج تخصصاتهم. لقد كانت الإدارة مغيبة تماما دون سلطات وهوية، فلم تكن هناك إلا سلطة التشريع والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية السياسية. لقد أثر هذا الغياب في كفاءة التنفيذ وبدا السياسيون عاجزين عن ممارستها مع تزايد درجة التعقيد في تلك المجتمعات وتحولها إلى الصناعة وارتفاع نسبة التحضر وظهور التقنيات وأساليب حديثة للحياة.
في ظل هذه التحولات الكبيرة في المجتمعات الديمقراطية، خاصة في المجتمع الأمريكي انطلقت كتابات الإدارة العامة الأولى من فكرة فصل الإدارة عن السياسة بقصد تحقيق الكفاءة والفاعلية وإبعادها من تجاذبات السياسيين وتوجهاتهم المتباينة واختلافاتهم الفكرية. فرأى ودرو ولسون الذي كان فيما بعد رئيسا للولايات المتحدة في مقاله المشهور أن الإدارة يفترض أن تكون ثابتة حيادية مهنية تعتمد في قراراتها على التخصصات الفنية والعملية وتراكم الخبرة الإدارية. ونبه هو والكثير من الكتاب الأوائل إلى أهمية الإدارة العامة وأنها تقع في جوهر العمل الحكومي. ففي تلك الحقبة التاريخية كانت السياسة ما يشغل الناس، خاصة فيما يتعلق بصياغة الدساتير وكتابة القانون حرصا على تحقيق قيم العدل والحرية، وفي خضم هذا الاهتمام الجارف بالسياسة لم يلتفت إلى الادارة، فكان الاهتمام بكتابة القانون العام على حساب تنفيذه. إلا أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والثقافية جعلت الحياة أكثر تعقيدا وأظهرت الحاجة إلى طبقة الإداريين المتمرسين الفنيين الذين يستطيعون معالجة مشكلات المجتمع المعقدة والمتداخلة. كما أن توسع دور الحكومات في المجتمع نتيجة الطلب المتزايد على البنى التحتية ومشاريع النقل والمياة والصرف الصحي وغيرها حتم منح الأجهزة الحكومية صلاحيات أكبر لتمكينها من تحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع وخدمات على الأرض. هذا التوجه في الاعتماد على التنظيمات البيروقراطية لم يكن دون محاذير وتخوف من قبل تلك المجتمعات الديمقراطية التي كانت تخشى تجاسر هذه البيروقراطيات وتعديها على الحريات استنادا إلى سلطاتها الفنية ودرايتها التخصصية دون أن تستند إلى شرعية شعبية في صناعة قراراتها. لذا نجد أنه مع حماس أولئك المنادين بفصل الإدارة عن السياسة يؤكدون أهمية مراقبتها من قبل السياسيين ويشترطون أن تعمل من خلال القيم السياسية وفي إطارها.
وفي ظل الظروف والتحديات التي تواجه مجتمعنا أصبح من الضروري إعادة النظر في سيطرة البيروقراطيات العامة وتفردها بعملية صنع القرار العام دون رقابة مجتمعية. إن اجتماع سلطتي التنفيذ والتشريع في البيروقراطيات العامة يؤدي إلى فساد إداري مؤسسي، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة. إن المجالس النيابية تمثل البوصلة التي توجه جهود التنمية الوطنية والضابط لأداء الأجهزة الحكومية. فلم يعد يكفي التركيز على تحسين كفاءة الأجهزة الحكومية وحسب، لكن الأهم تقديم الخدمات المطلوبة اجتماعيا كما ونوعا وجودة بالربط بين المخصصات المالية وتأثيرها النهائي، وهذا لا يتأتى إلا من خلال المجالس النيابية، وإلا سنستمر في الإنفاق السخي دون الاقتراب من معالجة مشكلات المجتمع من جذورها.