رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل المملكة واقعة في فخ الدخل المتوسط؟

تلك العبارة تصف حالة دولة ذات دخل متدن يرتفع فيها الدخل، بسبب ميزات ما، لكن الدخل لا يبرح هذا الارتفاع في مرحلة لاحقة. بل يبقى أسير ما سبق تحقيقه. قد يرتفع الدخل الاسمي لظروف ما، لكن الحقيقي لا يتحسن، بل قد ينخفض بسبب تزايد السكان مثلا.
وزيادة في التوضيح، ارتفاع الدخل يجلب ارتفاع الأجور، سواء بنسبة ارتفاع الدخل أو بنسبة أقل. ارتفاع الأجور غير مرتبط بتحسن وارتفاع الإنتاجية. بمعنى أن ارتفاع الأجور لم يأت نتيجة إنتاجية أعلى. وتحسن الإنتاجية مع ارتفاع الأجور شرط لاحتفاظ الاقتصاد بتنافسيته. ونتيجة لذلك، لا يتمكن الاقتصاد أو يصعب عليه منافسة اقتصادات متطورة في إنتاج سلع ذات قيمة أعلى. أما منافسة اقتصادات غير متطورة في إنتاج سلع ذات قيمة منخفضة فيصبح مع السنين أمرا أصعب عن ذي قبل، بسبب ارتفاع أجور اليد العاملة، ومن ثم التكاليف.
يعد ارتفاع الأجور كالرواتب دون ارتفاع الإنتاجية تضخما محضا أو شبه محض. ومن ثم لا يصبح الاقتصاد معتمدا على منتجات ذات قيمة أعلى، كما هو الحال في اقتصادات متطورة.
ربما كانت الصين أشهر مثال في وقتنا. تحولت الصين من دولة ذات دخل فقير إلى متوسط. لكن كثيرا من الاقتصاديين يرون أن أمامها تحديات كبيرة للصعود إلى مرتبة الدول المتطورة اقتصاديا ذات الدخل المرتفع. وقد كتب عن هذا الموضوع تحت عنوان ''الصين تقع في فخ الدخل المتوسط'' مارتن وولف كبير المعلقين الاقتصاديين في جريدة الفايننشيال تايمز البريطانية الشهيرة، ونشرت الاقتصادية ترجمة لما كتب في عدد 3 آذار (مارس) من العام الجاري. ويجد القارئ في الإنترنت محتوى مؤتمر عن ''الصين 2030''. China 2030 في قرابة 500 صفحة. ويركز على التحديات الاقتصادية التي تواجه الصين خلال الفترة القادمة، ويطرح مقترحات للتغلب عليها.
لخص التحديات التي تواجه الصين رئيس الوزراء الصيني وين جياباو، في مؤتمر صحافي استغرق ثلاث ساعات في نهاية الجلسة السنوية للبرلمان الصيني بتاريخ 14 آذار (مارس) الماضي: ''بلغ الإصلاح في الصين مرحلة حرجة. ومن دون نجاح الإصلاح الهيكلي السياسي، من المستحيل بالنسبة لنا إدخال الإصلاح الهيكلي الاقتصادي تماما. وقد تضيع المكاسب التي حققناها في مجال الإصلاح والتنمية، ولا يمكن حل المشاكل الجديدة التي ظهرت في المجتمع الصيني حلا جذريا، وقد تحدث مأساة تاريخية مثل الثورة الثقافية مرة أخرى''. وتناول في حديثه التفاوت الصارخ في العائدات والفساد المستشري.
تتوضح كيفية نشوء المشكلات من تتبع مراحل النمو السريع. في البداية يقع الاقتصاد تحت المرور بحالة النمو الشامل في كل شيء تقريبا اعتمادا على استعمال قدر كبير من مدخلات العمل ورأس المال. لا يمكن أن يستمر هذا النمو كما هو. تلي تلك المرحلة مرحلة النمو المكثف أو المركز، المعتمد على تحسين المهارات والتقنية.

علاقة ما مضى بالمملكة:
طبيعة النمو الشامل الذي تشهده المملكة لا يعطي دلالات على أنه سينتقل إلى النمو المكثف في مرحة لاحقة. ذلك لأن النمو الشامل اعتمد وما زال معتمدا على أموال النفط، وليس على تحسين الإنتاجية.
جلبت أموال النفط المتنامية طلبا مرتفعا في قطاعات الحكومة وأرباحا عالية في القطاع الخاص غير القابل للاستيراد. شحت اليد العاملة المطلوبة في القطاع الخاص بصورة نسبية، فارتفعت أجورها، دون أن يصاحب ذلك ارتفاع في المهارات والإنتاجية.
في الدول ذات الموارد الطبيعية الكبيرة (كالنفط للسعودية)، هذا مظهر من مظاهر ما يسمى المرض الهولندي. كيف يحدث المرض الهولندي في اقتصاد كالاقتصاد السعودي؟ زيادة إنفاق الحكومة والقطاع الخاص يصحبها زيادة إنفاق استهلاكي، ومن ثم فائض في الطلب على الخدمات والسلع واليد العاملة. وينشأ من فائض الطلب زيادة الأسعار النسبية للخدمات والسلع غير القابلة للتداول في التجارة الدولية كالعقار، مقارنة بأسعار السلع القابلة لأن تستورد، وهذا عامل رئيس في إبعاد المستثمرين عن الاستثمار في القطاعات الإنتاجية. كما أنه لا يغريهم في تحسين إنتاجية اليد العاملة.
باختصار، تشهد المملكة صعوبات ومشكلات في الانتقال من نمو معتمد على الإنفاق الحكومي إلى مرحلة نمو اقتصادي مصدره التطور المعرفي والتقني. هذه الصعوبات سبب رئيس من أسباب إعاقة بعض الدول من الخروج من فخ الدخل المتوسط.
ما السبيل لزحزحة صعوبات ومشكلات الانتقال، ومن ثم الخروج من الفخ؟
الأمر يتطلب إصلاحات عميقة. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي