التيسير الكمي الأمريكي وانعكاساته على الخليج
كما هو معلوم أن التيسير الكمي الثالث Quantitative easing 3 التي تعمل عليه الولايات المتحدة من خلال ضخ كمية من السيولة لشراء مجموعة لم يتم تحديدها من سندات الخزانة الأمريكية، الذي يمثل صورة من صور زيادة في طباعة مزيد من الدولارات بغرض إنعاش الاقتصاد، خصوصا سوق العمل وخلق الوظائف، والذي قد يؤدي إلى انخفاض في قيمة الدولار بما يؤدي إلى انخفاض أسعار السلع التي تصنعها الولايات المتحدة في مقابل صناعات الدول الأخرى.
تحدث الدكتور أحمد السقا بمقالات مفيدة في توضيح برنامج الولايات المتحدة في هذا الإطار، وأعقبها بمقال يبرز فيه بوادر دخول الاقتصاد العالمي مرحلة حرب العملات، خصوصا بعد اتخاذ ''المركزي الأوروبي'' خطوات مماثلة للخروج من الأزمة الخانقة التي تعيشها بعض دول الاتحاد الرئيسة، إضافة إلى خطوات مماثلة تقوم بها اليابان حاليا بشراء السندات التي أصدرتها الحكومة، بغرض تنشيط الاقتصاد ومواجهة انعكاسات البرنامج الأمريكي الذي سيدفع دولا أخرى إلى خطوات مماثلة لإبقاء فرص النمو والانتعاش لهذه الاقتصادات التي تعيش ركودا حاليا.
بعيدا عن الحديث عن أن هذه الخطوات التي تعمل عليها كبريات الكيانات الاقتصادية في العالم وهل ستنعكس إيجابا أو سلبا عليها؟ وهل ستؤدي إلى تحقيق الأهداف التي تأمل أن تصل إليها؟ فإنه لا شك أن لهذه الخطوات آثارا في دول الخليج تتعلق بأمور متعددة، ولذلك لم يخفِ رئيس وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني قلقه على الاستثمارات القطرية والمقومة بالدولار واليورو نتيجة لما يتوقع أن يؤدي إلى ضعفها بسبب إجراءات ضخ هذه السيولة الضخمة لتنشيط الأسواق، بسبب التوقعات بانخفاض سعر الدولار واليورو.
ولا يقف الأمر على الاستثمارات، بل سينعكس على أسعار السلع، وكما يذكر الخبراء أنه سينعكس على أسعار النفط والغذاء، بل قد ينعكس أيضا على أسعار المعادن وغيرها من السلع، وقد يتجاوز إلى أسعار العقارات، ومع ذلك فإن الولايات المتحدة والدول الأخرى نظرت بشكل رئيس إلى مصلحتها للخروج من الأزمة التي تعانيها منذ نشوء أزمة الرهن العقاري، والمشكلة الأخرى أن هذا البرنامج من التيسير الكمي، وهو يمثل المرحلة الثالثة، غير محدد المدة ولا كمية السيولة التي ستضخها في الأسواق.
والسؤال هنا ما انعكاسات هذا الإجراء على دول الخليج، خصوصا المملكة؟
لا شك أن مثل هذا الإجراء سيكون له آثار، جزء منها سلبي وآخر إيجابي، فالإيجابي يتعلق باحتمال ارتفاع أسعار البترول ومن ثم زيادة العوائد، لكن هناك آثار سلبية تتعلق بالاستثمارات الخارجية، خصوصا في الولايات المتحدة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الواردات للمملكة، خصوصا عندما نرى الأثر السريع لأي متغيرات سعرية في السلع على المنتجات في المملكة، التي أصبح يتحدث عنها المجتمع والمسؤولون بقلق فيما يتعلق بانعكاساتها على الوضع الاقتصادي لبعض الأسر في المجتمع. ولذلك من المهم أن يكون هناك اهتمام بالحالة العامة للمجتمع والاستمرار في البرامج الحكومية التي تسعى إلى حل المشاكل التي تلامس المجتمع بشكل أكبر، وتنعكس بشكل كبير على حالة الاستقرار الاقتصادي له مثل برامج الإسكان، إضافة إلى أهمية التركيز في هذه المرحلة على الفئات ذات الدخل المحدود والعاطلين عن العمل والأسر المحتاجة، وذلك من خلال تعزيز الخطوات الحكومية في هذا الاتجاه، وزيادة الإجراءات التي تعزز إيجاد فرص العمل، التي تتطلب أحيانا إعادة النظر في إجراءات وتنظيمات العمل في المملكة، إضافة إلى أهمية تسهيل إجراءات الأنشطة التجارية للمواطن، خصوصا الشباب. إضافة إلى دعم الأسر المحتاجة ببطاقات تموينية توفر لها احتياجاتها الأساسية من السلع والخدمات وتعزيز البرامج الحكومية الاجتماعية والخيرية، إضافة إلى أهمية أن يكون للمؤسسات الخيرية دور مباشر في هذا الدعم.
هذه الإجراءات التي بدأت بها بعض دول العالم قد تعيدنا إلى السؤال عن الخطوات التي يقوم بها ''المركزي الخليجي'' في إطار عملة موحدة لدول الخليج، إذ إن تكتل دول الخليج قد يعطيها فرصة أكبر لمواجهة مثل هذه التقلبات، خصوصا أن مواردها الاقتصادية متقاربة، وأن الآثار المتوقعة ستكون أيضا متقاربة.
الخلاصة أن إجراءات ضخ السيولة التي تعمل عليها مجموعة من أكبر اقتصادات دول العالم ستكون لها آثار في الدول الخليجية بما يتطلب إجراءات تحدّ من آثار ذلك في المواطن، وأهمية التركيز على الفئة ذات الدخل المحدود في هذه المرحلة، إضافة إلى تعزيز إمكاناتها للاستمرار في تحقيق النمو الاقتصادي.