كبير الإداريين.. عبد الله بن جمعة
كنت أنقل ناظري بين القنوات التلفزيونية عندما وقعت عيني على ذلك الوجه المبتسم الذي لا أذكر متى كانت آخر مرة رأيته فيها. رجل كنت أظنه يتصنع الابتسامة عندما شاهدته وهو يستقبل خادم الحرمين الشريفين في بداية عهده كرئيس تنفيذي لشركة أرامكو السعودية. لكنني اكتشفت بعدما تابعت أنشطته وتعامله مع موظفي الشركة أن الابتسامة كانت جزءاً من تركيبة شخصيته. قرأت ما كتبته إحدى موظفات شركة أرامكو عن الرجل وبساطته ودقته وحرصه على التعلم من كل شخص وكل موقف، وقد كتب عنه كثيرون بإعجاب.
فوجئت لرؤيته محاضراً، وكنت ظننته تقاعد ليبتعد عن الحياة العامة ويستمتع ''باللعب مع أحفاده'' حسب تعبيره، كان يعلم الحضور كيف يصنعوا القادة، ويدلهم على المواصفات التي يجب أن يبحثوا عنها في قادة المستقبل. كانت المحاضرة في الكويت، وليست في السعودية التي كانت أولى بتبني كل محاضرات وورش عمل الرجل، خصوصاً ''أرامكو السعودية''.
تحدث عبد الله عن كل شيء مستثمراً خبرته، فكان يقدم الأمثلة الواقعية من ممارسته الشخصية. أمثلة نفتقدها في الكثير ممن يديرون الكثير من القطاعات في الدولة. كنت أشاهد المحاضرة وأسترجع ما تعلمته في الجامعة والدورات والمؤتمرات وورش العمل لأجده يتطرق إلى الكثير من المعلومات التي كانت تفوت الكثير من أساتذة الإدارة.
وفق الرئيس التنفيذي لـ ''أرامكو'' ''سابقاً'' في إخراج محاضرة أعتبرها عالمية المستوى. حضرت لمحاضرين يتقاضون 50 ألف دولار، ولم أسمع هذا الكم من العلم والفكر والاستدلال بوقائع توصل الفكرة وتضمن تبنيها من قبل كل المتلقين. حكمة وخفة دم وخبرة وعلم غزير هي ما ميزت تلك المحاضرة الشاملة الكاملة.
اكتشفت مزايا في شخصيته، لم يتطرق إليها عبد الله في محاضرته، فمتابعتي للأمثلة التي كان يوردها عرفتني على مزايا قد تكون هي ما صنع هذا الرجل وكون شخصيته التي سادت تلك الشركة لسنين بنجاح منقطع النظير. مزايا من أهمها دقة الاستنتاج والرغبة في التعلم من كل موقف. فموقف فتاة في إحدى جامعات البرازيل من صناعة النفط واعتبارها صناعة غير أخلاقية لأنها ترفع نسب التلوث وتستهلك البيئة، جعل الرجل بعد أن أجاب إجابة شافية يتوجه نحو نوابه ليغيروا شكل الشركة نحو ما سماه ''أنسنة الشركة''. أصبحت الشركة تهتم بالبيئة وتبرز ذلك في تقاريرها السنوية، وتدعم العناية بشؤون الناس سواء الموظفين أو السكان المحليين، فتغيرت صورة الشركة في الخارج.
اكتشفت إصراراً كبيراً على استنباط الدروس من كل موقف، فخلاف مع شريك ''أرامكو'' في بترو رابغ جعل ''أرامكو'' تتولى التعامل مع الجهات الحكومية لضمان انسيابية العلاقة مع الشريك الأجنبي. وزيارة للصين جعلته يصر على بعث موظفين من الشركة إلى الصين ليتعلموا اللغة الصينية، حتى لا يشعر الصينيون أنهم يتعاملون مع أوروبيين، وقد أثمر ذلك عندما زار الرئيس الصيني المملكة وكان المترجم سعودياً يتحدث الصينية بمستوى أهلها نفسه، وكذلك فعل مع كوريا واليابان.
ركز عبد الله بن جمعة على قضية يتهرب منها 90 في المائة من مسؤولينا، وهي الاعتراف بالفشل. اعترف الرئيس التنفيذي بفشل الشركة في مشروع مصفاة رأس تنورة، والأهم أنه تعرف على السبب وأصلحه. كان هذا الحادث سبباً في إعادة النظر في أسلوب إدارة المشاريع وجعل نظام إدارة المشاريع في ''أرامكو'' يتحول إلى العمل الاحترافي الذي يمكن أن يدير أعقد المشاريع. فمن هذه الكبوة اكتسبت ''أرامكو السعودية'' سمعتها في تنفيذ المشاريع الكبرى Mega Projects كجامعة الملك عبد الله، ومعاجلة مشكلة سيول جدة.
عالج عبد الله في محاضرته مشاكل كثيرة وقدم مواصفات لا بد أن تتوافر في القادة الكبار الذين يديرون الشركات الكبرى، ذكر تشجيع الشباب من خلال ما سماه نظام إدارة المقترحات الذي كان يتعامل مع أكثر من عشرة آلاف فكرة كل عام نتج عنها وفر يقدر بخمسمائة مليون ريال في السنة الأولى فقط. تحدث كذلك عن أهمية حس الدعابة والقدرة على تخفيف الضغط الذي يعانيه الطرف الآخر، ومثل على ذلك بقلم أرسله لأحد رؤساء الشركات وحصل منه على تخفيض قيمته 25 مليون دولار. كما تحدث عن صفة التواضع التي جعلته يتعامل مع أصغر الموظفين بشكل مستمر ويعمل على جعلهم يشعرون بأهمية ما يقومون به من أعمال، ومثل على ذلك بتأثر أسعار النفط العالمية بحادث بسيط في مصفاة في أيرلندا كان سببها إهمال فني في أداء عمله. هذا الفني يستطيع أن يرفع أو يخفض سعر النفط.
تعتبر هذه المحاضرة من أثرى ما رأيت، وأقترح على كل جهة في القطاعين العام والخاص أن تدعو هذا الرجل ليعلم مسؤوليها كيف يتحولون إلى قادة حقيقيين. أعتقد أن الوطن بأكمله يحتاج إلى الرجل، خصوصاً أننا نتفق جميعاً على أن الأزمة في البلد أزمة إدارة بامتياز، ولو كان لي من الأمر شيء لكلفته بوزارة أو اللجنة العليا للإصلاح الإداري.
أختم بنظرية من نظريات عبد الله بن جمعة وهي في مجال إدارة الاجتماعات ونحتاج إليها في اختصار الاجتماعات وتحقيق الفائدة القصوى منها. هذه النظرية سماها عبد الله ASJ Rule، أي قاعدة عبد الله بن سعد بن جمعة، وهي باختصار تجعل الاجتماع يبدأ بإيجاز يقدمه مندوب الجهة ذات العلاقة، ويحصل كل واحد من الحاضرين على مدة دقيقتين فقط لتقديم وجهة نظره، وبعد أن يتحدث الجميع يتخذ رئيس الاجتماع قراره وينفض الاجتماع في فترة لا تتجاوز نصف ساعة. أنتظر أن أرى سيرة هذا العلم في الإدارة وحياته المملوءة بالإنجاز في مكتباتنا، لأن هذا من حقنا كمعجبين.