جولة جديدة من كب النقود والدوران

مرحبا عند أناس وبؤسا عند آخرين بعالم السياسة النقدية القائم على تحويل النحاس إلى ذهب.
أظن أن الكل سمع عما يسمى التحفيز أو التيسير الكمي الثالث.
توجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) لضخ 40 مليار دولار شهريا، ابتداء من الشهر الماضي، عبر شراء سندات رهن عقاري. مدة هذا التحفيز مفتوحة. الشراء مستمر إلى ظهور بوادر انخفاض معدلات البطالة وتحسن سوق العمل الأمريكي. انخفاض البطالة مؤشر على تحسن الاقتصاد. وتزامن مع التحفيز تعهد بإبقاء سعر الفائدة قريبا من الصفر حتى منتصف عام 2015.
الحكومة الأمريكية مخذولة أمام شعبها بضعف النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة. توقع اقتصاديون في ميرل لينش المالية أن معدل نمو الاقتصاد الأمريكي سينمو بمعدل 1.1 في المائة فقط في الربع الثالث، بدلا من 1.5 في المائة في توقعات سابقة. ومن البعيد جدا أن يؤدي معدل النمو المنخفض إلى تحسن معدل البطالة. وأحد أسباب ضعف النمو موجة جفاف شديدة هذا العام.
سبق التحفيز الثالث، طبعا، التحفيزان الأول والثاني. الثاني قبل سنتين والأول قبل أربع، خلال عمق الأزمة المالية العالمية.
وتكلفة إنتاج نقود كل تحفيز زهيدة. وطبيعته باختصار تقوم على زيادة العرض النقدي عبر شراء البنك المركزي (من النقود التي يملك حق إصدارها أي صناعتها) سندات من البنوك، ما يزيد من مقدرة الأخيرة على الإقراض، ومن ثم حفز الاقتصاد. ويمكن النظر إلى التسهيل الكمي على أنه صورة إلكترونية من طبع النقود.
التسهيل الكمي يعمل على خفض أسعار الفائدة نتيجة زيادة العرض النقدي. ويدافع رئيس مجلس الاحتياطي برنارك بقوله إن خفض الفائدة يجعل تكلفة المنازل على الناس أقل، كما يعمل على حفز الاستثمار وزيادة الإنفاق الاستهلاكي.
بمجرد الإعلان عن نية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حصلت موجة من انخفاض الدولار وارتفاع أسعار النفط والأسهم في البورصات الكبرى.
كل تحفيز سابق أدى إلى زيادة في أسعار السلع وفي رفع معدل التضخم. وهذا الارتفاع بدوره يعمل على إضعاف قدرة المستهلكين على الشراء، ومن ثم إضعاف النمو الاقتصادي. لأن الإحجام عن الشراء يدفع الشركات إلى تقليص إنتاجها، وموظفيها. وهكذا تبدو المسألة كدوران في حلقة معقدة أشبه بالمفرغة.
هناك الكثيرون الذين يشككون في نجاح سياسة الاحتياطي الفيدرالي لحفز الاقتصاد الأمريكي. من أشهر هؤلاء مارتين فالستاين، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، وكبير الاقتصاديين في إدارة أمريكية سابقة. ويسند مناقشته إلى أرضية أن أسعار الفائدة منخفضة، وأن هناك انتعاشا كبيرا في سوق المنازل، وأن جوهر مشكلة الإقراض في البنوك ليس نقص السيولة.
هناك جوانب أخرى. مديرو الصناديق في أمريكا غير سعداء بتحرك الاحتياطي الفيدرالي. التحرك يعني خروج الأموال للاستثمار في دول لا تشهد عملاتها انخفاضا. جانب آخر. من المؤكد أن دولارا أضعف سيجر متاعب للاقتصادات الأوروبية. التي تعاني من متاعب نمو ومديونية عامة عالية. وهذا يعني ظهور فرصة لحرب عملات، لمواجهة الميزة التنافسية للصادرات الأمريكية بسبب انخفاض الدولار.
لكن من الصعب لوم التحفيز على كل ارتفاع في أسعار النفط. هناك أكثر من نظرية تفسر هذا الارتفاع. وإحدى هذه النظريات تكلفة الفرصة. انخفاض سعر الفائدة يخفض تكلفة الفرصة من عدم إنتاج مزيد من النفط.
ارتفاع أسعار النفط يعني أن المالية العامة في السعودية ودول الخليج الأخرى ستحقق زيادة في الإيرادات. وهذه الزيادة تفتح الشهية لزيادة الإنفاق الحكومي، وكثير منه ينقصه الرشاد. وزيادة الإنفاق تعمل بدورها على ارتفاع معدلات التضخم المحلي المنشأ، وزيادة أو استمرار أسعار العقارات مرتفعة على المدى القصير إلى المتوسط. وهذا طبعا خلاف مخاطر التضخم المستورد.
هذه توقعات تحتم الإسراع في تبني سياسات إضافية فعالة مخفضة لتكلفة الإسكان خاصة. وبالله التوفيق،،،

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي