الإمبراطور الذي يفتك بنا من خمسة آلاف عام
.. كتابٌ أنهيته للمرة الثانية قبل لحظات من كتابة هذا المقال، من الكتب النادرة التي تمتعك إلى حد أن تجرفك على الحد، وتضبط نفسك بأطراف أصابع قدميك كي لا تهوي. كتابٌ علميٌ قصصي. صدقوني خارق العبقرية في تسهيل العلم للناس، وما رأيت كاتبا يكتب بإمتاع في موضوع الأمراض كما فعل الهندي متخصص أمراض السرطان والأديب والباحث العلمي د.''سيدهارثا مخريجي'' والكتاب عنوانه: أمبراطور كل الأمراض The Emperor of all maladies.
''المرضُ أفول الجانب المظلم من الحياة. كل من يولد في هذه الحياة سيملك بالحتمية المقدرة هويتين، أو هوية مزدوجة، هوية تنتمي إلى مملكة الصحة، وهوية تنتمي إلى مملكة المرض. مع أننا كلنا نفضل أن نستخدم هوية واحدة وهي هوية الصحة، ولكن الآن أو آجلا سنترحل دوما بين المملكتين، بتفاوت في المسافة وتباين في البقاء ''- سوزان سونتاج.
في عام 2010 ميلادي قضى إمبراطور الأمراض على قرابة الثمانية ملايين بشري، أكثر من 15 % من مسببات الموت للبشر هو هذا الإمبراطور الذي هادن الألم والشراسة. وسيتخطى ''المرضُ الإمبراطور'' القاتل الأول في العالم، مرض القلب.
الكتاب يسجل تاريخ إمبراطور الأمراض، ملحمة من الخوف والرعب الممتد ظلالا بأصابع طويلة ذات مخالب معقوفة عبر دهاليز التاريخ.. حتى إن اسمه في معظم المجتمعات لا يتداول إلا همسا، وكأنه ستنبع نار بفم تفور داخله الأفران لو تداولوا اسمه جهارا. الكتاب يعلمنا ما هو المرض وكيف أثر على الأمم الغابرة كما يؤثر في الأمم الحاضرة، ويشرح لنا كيف عبر الأزمان اجتمع الحكماءُ والمشعوذون والسحرة لعلاجه بلا جدوى، يهزم الجميع. وجاء العصر الحديث وصارت اكتشافات مهمة في كيمياء وبناء المرض الخلوي، وتعدى الطب العصري قدرة السحرة على الإنجاز في القضاء على أمراض كانت باستعصاء المرض الإمبراطور.. إلا هو بقي عصيا، يأخذ الباحثين من مهوى إلى مزلق، والمرضى يعانون، ويتشبثون بأمل العلاج السحري، فالإيمان بالتطور الطبي والأمل فيه يتعدى كل أنواع العلوم.
الكتاب يجب أن يقرأه عامة الناس، وأشجع أن تقوم إحدى دور النشر بترجمته بإشراف متخصصين في اللغة والعلوم والطب، وأن يُعَد سهلا رغم علميته الصرفة كما في النسخة الإنجليزية، حيث تقرأ الكتاب، بل تلتهمه التهاما عيناك وقلبك وعقلك، وتعيش ملحمة ليست مرضية بل إنسانية بامتياز، لأن من حق كل واحد منا أن يفهم المرض وأن يدخل ''عقل'' المرض الإمبراطور ويتفهم طرائق تفكيره وسلوكه وتصرفاته، والهدف الأكبر من الكتاب، كما يقول المؤلف هو لطرح السؤال الكبير: هل من الممكن فعلا استئصال هذا المرض تماما من الحياة البشرية، ويصير عالما خاليا من السرطان.. إلى الأبد؟
إن العالم في حرب صريحة وقوية مع السرطان، وما زال المرض يتقدم، رغم بعض الفوز الميداني هنا وهناك للعلم، إلا أنه يبقى حتى الآن مرضا صعب القهر، صعب الشفاء إلا بأمر الله. ولكن أجمل في العقول العلمية – وهي منقذة البشر على مرّ الأجيال- أنها عنيدة لا تعرف اليأس، ولا تعترف بهزيمة، وتحلم دوما بالحلول، وأحلام العقول العلمية الباحثة ليست أضغاث أحلام، بل هي أحلام تسعى في المختبرات بين المحاليل والأنابيب والمجاهر وعزائم علمية، وسبق أن سجل ابن الهيثم قولا: ''لو يتفتت الجبل، فلا يتفتت عزم الباحثين عن أسرار المعارف''.
فالكتاب إذن كما وعد الكاتبُ وسيثبت للقارئ أنه ليس فقط رحلة تاريخية في سيرة إمبراطور الأمراض، ولكنه أيضا تجارب من واقع المختصين والعاملين بحقل أمراض السرطان Oncologists ومعاناتهم اليومية، وعراكهم كل لحظة وفي كل مكان ضد المرض الذي يؤمنون أنهم يوما سيقهرونه، كما قهروا أمراضا عاتية في ماضي السنين.
ولكن الكتاب الرائع العميق السهل الانقياد، القصصي السرد، لا يكتمل ولا يمكن أن يكتمل فيما يبحثه بدون إشراك مرضى الرحمة (السرطان) شعورهم، معاناتهم، انطباعاتهم، وصفهم، وتعاونهم في إجراءات العلاج الكلاسيكية والمستحدثة. قصص المرضى في الكتاب ستجعل يدك على قلبك دائما، ولكنك ستعرف كيف تنبعث شجاعة غامضة في المرضى تأتي من أعماق مخبوءة في النفس حتى يهجم المرضُ وتفلت من عقالها وتتعامل مع الدماغ والأعصاب لترسم متحدة حالة الشجاعة والمواجهة عند المرضى ضد مرضهم الفاتك.. وكثيرا ما ذهل الطب والأطباء بأن هذه الشجاعة لا تساعد فقط في قوة المواجهة والصبر النفسيّيْن، بل إنها وبطريقة غير معروفة تعزز خطوط الدفاع المناعية في أجسادنا.
أرجو قراءة الكتاب وأرجو أن تتبناه جمعيات السرطان وتشرف على ترجمته، فهو كتاب مفيد بمعلومات مذهلة وبأسلوب المتفوقين الهنود الذين يزخرفون اللفظ الإنجليزي بروح الحكمة الهندية الشاعرة، والكاتب أديب وطبيب وبحاثة، ومن القلائل في العالم الذين نالوا أعلى الجوائز في الكتابة عن السرطان بأسلوب علمي يسهل للناس، ولا يتنازل عن مقدار حبة رمل من الحقيقة العلمية.
''التايم'' اعتبرت الكتاب من الكتب المائة الأكثر تأثيرا طوال المائة عام الماضية.