رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


موت وخراب

يا له من أسبوع شهد متغيرات يصعب استيعابها. فبعد احتفالات بروتوكولية راقية في سفارات المملكة، انطلقت احتفالات هي أبعد ما تكون عن ذلك في شوارعنا، كان أبطالها أبناء وطن منحتهم الوفرة والفراغ وبعض البطالة الكثير من العنفوان. وهي المفسدات التي حذر منها رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم.
الرسول محمد، الذي كنا نتهافت على نصرته والذب عنه، في هذا الأسبوع، رداً على موتورين هدفوا، لأن يسيئوا إليه، أو كسب الشهرة. تنادينا جميعاً لذلك، وقاطعنا وكتبنا وأخطأ بعضنا من فرط الحماس، وأخطأ آخرون بفرط برودهم، إلا أننا كنا جميعاً مع رسول الله ضد كل من يحاول النيل منه أو الإساءة إليه. حاولت فئة محدودة أن تستغل الموقف سياسياً، كما تعودوا، وفئة أخرى لا تزال تؤجج نار فتنة بين المسلمين باستخدام الأسباب نفسها، ليشحنوا حجاج بلادهم ليسيئوا لأرض مشى عليها محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ ومساحات شهدت ولادته وشبابه ورسالته وبلاغه ووفاته، وكانت حبه وعشقه.
ثم جاء قدوم خادم الحرمين الشريفين ليضع حجر أساس أكبر توسعة في تاريخ الحرم النبوي الشريف، ليكون بذلك الرد الأمثل لكل ما تنعق به أصوات مزعجة هنا وهناك. التعامل الراقي والتفاعل المنطقي هو ما نحتاج إليه بعد أن هدأت الأزمة بعض الشيء. أفلام تعريفية، ومؤتمرات توعوية، ومقاطعة سلمية تضرب القوم، حيث توجعهم، ووحدة بين المسلمين باختلاف انتماءاتهم هو ما نحتاج إليه. فما ذنب سكان مكة المكرمة والمدينة المنورة حين يؤلب أحدهم حجاج دولته على المظاهرات فيهما، مدينتان نصرتا محمد وقامتا وتقومان على سنته، أم أنه ''الحول'' السياسي.
عاد الجميع لأعمالهم وجامعاتهم ومصانعهم ومدارسهم بعد هذه الإجازة الصاخبة ليكتشفوا أحداثاً عجيبة غريبة. أختار منها حادثتين صدمتاني، كانت أولاهما في جامعة القصيم، حيث اكتشفت جثة محاضر توفي يوم الأربعاء ولم يعلم أحد بوفاته إلا يوم الإثنين. لا أعلم ما هي ملابسات وفاة الرجل وأرجو أن تكون فعلاً سكتة ''كما قيل'' مرت سريعاً دون أن يتعذب وهو يبحث عمن ينقذه.
أمر مخيف فعلاً أن يصارع الشخص الموت بمفرده، وبحسب الأنباء فقد يكون الرجل صارع الموت لساعات، وربما أيام ــــ لا أحد يدري. كيف أغلق حراس أمن الجامعة مبنى الكلية دون التحقق من خلو المبنى من الأشخاص؟ وما الإجراءات المتخذة في موقع يدرس فيه عدد كبير من الطلبة قبل الإغلاق للإجازة؟ أو حتى نهاية الدوام، لن أتكلم عن أسلوب التعليم الجامعي، الذي فيه تغلق الكلية، لأن هذا موضوع يطول نقاشه. لكن من الواضح أن إجراءات العمل في الجامعة في حاجة إلى إعادة دراسة لسد الثغرات، التي يمكن أن تؤدي إلى وقوع حوادث أو جرائم في منشأة بهذا الحجم.
المفاجأة الثانية كانت لمسؤولي شركة معادن، وهي شركة مساهمة عامة سعودية رأسمالها نحو عشرة مليارات ريال تساهم فيها الدولة بما يقارب 67 في المائة، والبقية للبسطاء من المواطنين، وكما هو حال ''شركات الحكومة''، فنتائج الشركة لا تسر الخاطر فهي لم توزع أرباحاً منذ إنشائها. برغم أنها صاحبة الحق الوحيد في استثمار مواقع كثيرة واستخراج المعادن كالذهب والفوسفات والبوكسايت والألمنيوم وغيرها.
اكتشفت شركة معادن أن حمولة أحد القطارات التي انطلقت من الجلاميد إلى رأس الخير من الفوسفات كان مصيرها إلى الصحراء عندما خرج القطار عن مساره. طبعاً القطار لا يتبع للمؤسسة العامة للسكك الحديدية حتى لا يبدأ البعض في الشماتة من جديد. القطار يتبع شركة ''سار''، بمعنى ''يا فرحة ما تمت''، وشركة ''سار'' لها عندي نقاش آخر ليس هذا مكانه. لاحظوا قرائي الكرام مفاجأة رئيس وأعضاء مجلس الإدارة ومدير عام الشركة عندما علموا من خلال (صحيفة) أن قطارهم خرج عن مساره، وسقطت كميات من الفوسفات في الصحراء، دون أن يعلمهم أحد عن نقص الكميات في التسليم.
إذا لا داعي لأن يسأل أحد عن سبب عدم توزيع أرباح للشركة التي تحتكر المناجم. هم لا يعلمون كم ينتجون، وكم يشحنون وكم يهدر في الصحراء، هل هذا غريب عليكم؟ إليكم الأغرب منه، شريك معادن في إنتاج الفوسفات هو الشركة السعودية للصناعات الأساسية، المعروفة اختصارا بـ ''سابك''، شركة حكومية أخرى عمرها أكثر من عمر أغلب القراء، ومع ذلك تساهم في مشاريع، ولا تملك الوسائل اللازمة لحماية استثماراتها. لكن الشركة تصرفت في اللحظة الأخيرة بتصريح مؤداه أنها ستحمل شركة ''سار'' تكاليف الفوسفات المهدر، السؤال: ماذا عن الهدر الذي لم تعلموا عنه؟
أوجه كلامي ــــ في الختام ـــ للجهات المسؤولة عن الصحة والبيئة. الفوسفات المركز مادة خطيرة على صحة الإنسان فهو يؤدي إلى أضرار على الكبد ويسبب هشاشة العظام، كما أن تعرض الجلد له يمكن أن يؤدي إلى الحروق وضيق التنفس، كما أن بقاء الفوسفات في العراء، كما هو الحال الآن يضر بمكونات التربة والمياه، ويؤدي تفاعله مع الأكسجين للاختناق إذا كانت بكميات كبيرة، وهذا يلزم الجهات الرسمية المعنية في المنطقة أن تضمن تحييد هذه المادة لحماية المواطنين والبيئة منها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي