رجاءً اهتموا بتقرير مراجعي الحسابات
خلال الأيام القليلة الماضية هزت السوق المالية قضيتان كبيرتان فعلا، أولاهما تعليق التداول على شركة المعجل والشكوك في قدرتها على الاستمرار. الأخرى الادعاءات بوجود فساد مالي كبير في شركة القصيم الزراعية. من المفترض أن تستفزنا هذه الأحداث الكبيرة فعلا (مع ما سبقها مثل مشكلة المتكاملة) لمناقشة قضايا كثيرة ليس أقلها كيف تتم عملية اتخاذ القرار في الشركات المساهمة؟ وما أساليب الحوكمة والممارسات الفعلية فيها؟ وما دور لجنة المراجعة التي يجب أن تكون مستقلة، والمراجع الخارجي المستقل فعلا؟ وكيف تتخذ القرارات بالشراء والبيع في سوق الأسهم السعودية؟ فمما يؤسف له أن تمر هذه القضايا مرور الكرام وتحدث قضايا غيرها من بعدها ونحن ندور في الساقية نفسها. هنا أكرر مرة أخرى ما كتبته مرات عديدة يجب دراسة هذه القضايا بشفافية وإقحام مؤسسات البحث العلمي فيها، ومنها الباحثون في الجامعات ليس لأجل التحقيق مع الناس، بل كي نجنب السوق تكرار حدوثها، يجب أن يشكل مجلس الشورى لجانا للتحقيق والنظر فيها. عندما انهارت السوق المالية في الولايات المتحدة نتيجة إفلاس شركة إنرون والتعديلات الكبيرة في حسابات ''ورلدكم'' وانهيار الثقة فجأة بمنظومة التقارير المالية ككل لم تمض سنة حتى صدر قانون جديد، كان الهدف منه استعادة ثقة السوق بقدرة المنظمين على إدارتها.
لعل أكثر الأمور التي تحتاج إلى تطوير اليوم والتي برزت خلال الأشهر الماضية سواء مع ''المتكاملة'' أو ''زين'' أو ''عذيب'' أو ''المعجل'' وحتى ''القصيم الزراعية'' تشير إلى أهمية تطوير تقرير المراجع الخارجي وضرورة زيادة الوعي العام به. هنا يجب أن نوضح ولو بشكل يسير أن أتعاب المراجعة في الدول العربية تنخفض بشكل كبير عنها في الدول المتقدمة، خاصة كلما كان المراجع الخارجي ''وطنيا'' وليس شريكا لمكاتب عالمية كبيرة. ولقد دُرس هذا الموضوع كثيرا، ليس لدينا فقط، بل في كل الدول التي تعاني هذه الظاهرة، والسبب دائما يعود إلى مستوى الوعي العام بأهمية مراجعة الحسابات كمهنة وأهمية تقرير المراجع الخارجي عند اتخاذ القرارات الاستثمارية. ولقد كتبت أكثر من مقال في هذا الاتجاه وحذرت المستثمرين الصغار من مغبة ملاحقة السوق والمضاربات وأن يهتموا قليلا بقراءة تقرير المراجع الذي قد يعطيهم الضوء الأخضر للانضمام أو يحذرهم من ذلك. ومع ذلك فإن معظم من ''تعلق'' مع الشركات ''المعلقة'' هم صغار المضاربين، ولعل هذا هو السبب في عدم وجود خطر برفع الدعاوى القضائية ضد مجالس إدارات الشركات أو ضد مراجعي الحسابات، فالكبار دائما في أمان.
في الدول التي يتزايد فيها وعي المستثمرين ترتفع فيها مسؤولية المراجع الخارجي ويتعرض للمحاكم والقضاء لتعويض المتضررين من أخطائه. لقد دأب المستثمرون في الدول المتقدمة على حماية استثماراتهم بشتى الوسائل، فظهرت المشتقات التي يهدف منها المستثمر إلى حماية أمواله من توقعاته الخاطئة، كما ترفع القضايا على المراجعين ومجالس الإدارات فقط ليجد المستثمر من يعوضه عن خسائره، حتى ظهرت نظريات في المراجع تشير إلى أن من بين أسباب الطلب على خدمات المراجعين أنه ينظر إليهم كشركات التأمين يدفعون التعويضات عندما يقوم المستثمر بشراء سهم لشركة تفشل بعد فترة وجيزة. ولهذا كانت أهم القضايا التي يجب أن يحذر منها المراجع ويتخذ قراراه فيها بحصافة وهدوء قبل أن يضع تقريرا على القوائم المالية، هي قدرة الشركة على أن تستمر لمدة عام كامل (ومن ذلك عدم صدور قرارا بتعليق التداول على سهم الشركة لأمور تتعلق بشروط هيئة السوق في وضع الشركة المالي). فيجب على المراجع أن ينص صراحة في تقريره عن أية شكوك لديه عند قدرة الشركة الاستمرار، وفي حال فشل المراجع في ذلك فإنه يجب أن يتعرض للقضاء وتعويض الناس الذين اعتمدوا على تقريره النظيف (أي تقريره الذي لم يتحفظ فيه على قدرة الشركة على الاستمرار). ومثل هذا حدث كثيرا في السوق المالية السعودية، وقد كتبت كثيرا عن أهمية تقرير المراجع، خاصة عندما يوجد به لفت انتباه. يجب على المستثمر الصغير أن يقرأ التقرير جيدا، فإذا وجد في آخره تحفظا أو لفت انتباه يتعلق بقدرة الشركة على استمرار فإنه من الأفضل له عدم المجازفة في هذه الشركات. ففي معظم الشركات التي ورد فيها لفت انتباه من المراجع على قدرة الشركة على الاستمرار.
القضية الثانية المهمة جدا التي يجب أن يهتم بها المستثمر الصغير هي خلو القوائم المالية والمعلومات التي فيها من الأخطاء الجوهرية والغش. والمراجع ينص على ذلك صراحة في تقريره عندما يقول، إن لديه أدلة كافية بخلو القوائم المالية من الأخطاء الجوهرية، وهذا يدل ضمنيا على أشياء كثيرة، فإذا خلت القوائم المالية من الغش والتحريف الجوهري، فإن الإدارة نزيهة والرقابة الداخلية في الشركة جيدة ويمكن الوثوق بها والمعلومات التي تنتج عن النظام سليمة، فإذا تزامن هذا مع إعلان الشركة عن أرباح، ومع عدم وجود شك في قدرتها على الاستمرار، فإن الاستثمار فيه آمن إلى درجة كبيرة وتبقى المخاطر محصورة في تقلبات السوق (يتغلب عليها المستثمر الصغير بالتنويع في استثماراته).
منطقيا إذا فشل المراجع في واحدة من هذه القضايا فإنه يعرض نفسه للقضاء والتعويضات هائلة. لكن المشكلة الثقافية لدينا أننا نتخذ القرارات الاستثمارية بعيدا عن قراءة تقرير المراجع، ومع الأسف، فإن المراجعين يعرفون ذلك ولهذا لا تغطي أتعابهم مخاطر القضايا التي قد ترفع عليهم والأخطر من ذلك أن عملهم لا يغطي خوفهم من تلك المخاطر لذلك تجد الإدارة فرصة للتلاعب وتغطية ذلك التلاعب ببساطة. ذلك أنه عندما تفشل الشركة في الاستمرار أو تظهر مشكلات الاختلاس والغش فإننا في الغالب لا نعود على المراجعين الذين قدموا تقارير ولم يلفتوا انتباهنا لمثل هذه المشاكل في الشركة.
ليست هذه دعوة لرفع قضايا على المراجعين، بل دعوة للاهتمام بتقاريرهم. ذلك أنه كلما شعر المراجعون بخطورة عملهم وأن تقاريرهم تؤثر في قرارات المستثمرين فإنهم يصبحون أشد حذرا في عملهم، ومن ثم يسعون لتوسيع اختباراتهم. هذا لا يعني عدم ظهور حالات تعثر في الشركات وتعرضها للمشكلات المالية لكن في كل مرة تظهر مثل هذه الحالات سيكون تقرير المراجع واضحا ومشتملا على ملاحظات جوهرية. وهناك فقط ستتعزز الثقة بالقرارات الاستثمارية وتتحسن بيئة الأعمال في السوق المالية وتعمل قاعدة البقاء للأصلح.