تحرير قطاع الطيران
هل حاولت السفر جوا من الرياض إلى جدة (مثلا) خلال الـ 40 عاما الأخيرة؟ طبعا ستجد في معظم الأحيان أن من العسير توافر المقاعد المطلوبة في الموعد الذي تريده، وقد تتمكن من الحصول على مقعد بثلاثة أضعاف سعر الدرجة السياحية على الدرجة الأولى، ولكن سيطلب منك الانتظار لعدة أيام لتأكيد الحجز. لقد عانت المملكة خلال العقود الأربعة الماضية عجزا مستمرا في خدمات الطيران وتدن وتراجع في نوعيتها وجودتها. وقد أتى هذا كنتيجة طبيعية لفقدان المنافسة في قطاع النقل الجوي وتبني وتطبيق سياسة الناقل الوطني الوحيد (احتكار خدمات الطيران المدني). وتسببت هذه السياسة في عرقلة نمو خدمات الطيران المدني على مدى العقود الماضية. وفي الوقت نفسه ساهمت سياسة تثبيت أسعار التذاكر الداخلية والحد من الرحلات الدولية دون اعتبار لخصائص قطاع الطيران في مفاقمة أزمة الحجوزات الأبدية على متن الرحلات المحلية والخارجية.
وقد بدأت دول كثيرة في تحرير قطاع الطيران منذ أكثر من ثلاثة عقود، أما الهيئة العامة للطيران المدني فما زالت تخطو الخطوات الأولى في عملية تحرير هذا القطاع. وعلى الرغم من التأخر الكبير في هذه العملية، إلا أنها تتحرك ببطء وحذر شديد، حيث تجرى الدراسات وعلى أقل من مهلها، كما أنها تضع شروط هذا التحرير والتي يبرر البعض منها بمصلحة المستهلك. ومع هذا يتشكك البعض بأن تقاطع مصالح الهيئة مع الخطوط السعودية يلعب دورا كبيرا في سياساتها وقراراتها. وقد أوردت الصحف المحلية بعض الشروط التي ستفرضها الهيئة العامة للطيران المدني على الشركات التي سيسمح لها بنقل الركاب داخليا، حيث اشترطت الالتزام بتسعيرة الخطوط السعودية للتذاكر السياحية الداخلية. طبعا ليس هذا الشرط الوحيد، حيث ستظهر شروط أخرى مع مرور الوقت، كما ستكون هناك شروط لا يعلمها إلا الله.
لقد أثبتت سياسة الناقل الوحيد في جميع دول العالم خلال العقود الماضية فشلها في تلبية احتياجات السوق المحلية والعالمية. وقد سمح في المملكة بتكوين شركتين ضعيفتي الموارد والقدرات والإمكانات، ولم تستطع هاتان الشركتان منافسة الخطوط السعودية المدللة والمحمية من قوى المنافسة.
وقد أفلست إحدى هاتين الشركتين، والثانية لا تزال في المنطقة الرمادية. وتتلقى الخطوط السعودية دعما سخيا في أسعار الوقود، بينما ترفع أسعار الوقود للشركات الأخرى فوق مستويات الأسواق، كما تتلقى الخطوط السعودية دعما قويا في مشتريات التذاكر الحكومية المبالغ في أسعارها. إضافة إلى ذلك تقدم الحكومة ضمانات القروض لتيسير حصولها على التمويل اللازم لشراء معداتها وطائراتها. ويتم أيضا التغاضي عن رسوم الطيران المدني المستحقة على الخطوط السعودية. ومع كل هذا الدعم وهذه الحماية لم تستطع الخطوط السعودية تلبية الطلب المحلي ولا حتى تحقيق أرباح، ما يشير إلى وجود خلل هيكلي كبير فيها.
وتعتبر السوق السعودية من أكبر أسواق المنطقة في قطاع النقل الجوي، حيث اقترب عدد المسافرين في المملكة من 50 مليون مسافر في السنة. وسيشهد هذا القطاع نموا قويا في السنوات المقبلة وقد يقفز عدد المسافرين إلى 100 مليون مسافر أو أكثر لو تم تبني السياسات السليمة والداعمة للنمو المستدام في هذا القطاع. وتأتي سياسة تحرير هذا القطاع في مقدمة السياسات اللازم اتخاذها، ولهذا ينبغي عدم التلكؤ في تنفيذ سياسة فتح الأسواق والتخلي عن تبني أنصاف الحلول وأرباعها. ونشهد في كثير من الأحيان تخوفا مبالغا فيه من الإصلاحات الجذرية التي تتصدى للمعضلات التي تواجهها القطاعات الاقتصادية، وتبنيا للحلول الجزئية التي لا تغير كثيرا، بل قد تقود إلى تعاظم المصاعب وتعقّد حل المعضلات. إن وجود معضلات قوية في أي قطاع يثبت وجود خلل هيكلي وجوهري وأساسي في هذا القطاع. وتعتبر الحلول القوية والجذرية والشاملة أفضل وأسرع وسائل التغلب على المعضلات التي تعصف بالأسواق، فنصف الحلول ومحاولة الترقيع هنا وهناك تؤدي إلى إطالة المعضلة وتعوق النمو.
وتتوافر فرص واعدة في قطاع الطيران المدني، بسبب ضخامة هذا القطاع وإمكانية نموه بقوة خلال الأعوام القادمة. وسيوفر النمو المرتقب والقوي في هذا القطاع مصدرا إضافيا لنمو الاقتصاد الوطني، كما سيدعم توظيف المزيد من الكفاءات الوطنية في قطاع الطيران. إن من الأجدى لهيئة الطيران المدني التخلي عن جميع الشروط المقيدة للمنافسة كتحديد الأسعار والمنتجات المقدمة والمشغلين في هذا القطاع. ويمكنها بدلا من ذلك التركيز على تصميم وتفعيل معايير ومواصفات السلامة في هذا القطاع، وحماية حقوق المستهلكين، وتوظيف شباب هذا الوطن، والتصدي لسيطرة المتنفذين على خدمات هذا القطاع.
ويتطلب التصدي لمعضلة البطالة رفع معدلات النمو الاقتصادي، ويعتبر تحرير الأسواق من أفضل الأدوات الداعمة للنمو. ويمكن للهيئة أن تدعم توظيف المواطنين في هذا القطاع من خلال وضع أطر شاملة لهيكل التدريب في هذا القطاع ودعم وتشجيع تدريب الأيادي الوطنية بصور مباشرة وغير مباشرة. وتستطيع الهيئة تشجيع النمو في قطاع الطيران وخفض تكاليف خدماته من خلال إعادة دراسة هيكل رسوم الخدمات ومستوياتها وخفضها إلى أدنى مستوى ممكن، وكذلك من خلال التخلص من العوائق البيروقراطية التي تؤثر سلبا في المشغلين أو في حركة النقل الجوي.