رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رأيت خيرا .. الخطر الكامن في تفسير الأحلام

انتشر هوس تعبير الرؤى بشكل غير مسبوق. كان الناس فيما مضى يلجأون للمشايخ للسؤال عن الرؤى المتكررة أو المزعجة. أما اليوم فقد أصبح تعبير الرؤى تجارة رابحة يستفيد منها عدد كبير من المتخصصين وغير المتخصصين. بدأت هذه التجارة في الانتشار عبر وسائل الاتصال بكل أنواعها. بل أصبح حديث الكثيرات في المجتمع السعودي يبدأ بعبارة ''هل رأيت رؤيا البارحة؟''. تتعلق المرأة لدينا بتعبير الرؤى أكثر من الرجل. هذا التعلق ناتج غالباً عن العاطفة واهتمام المرأة بالعلاقات الإنسانية، واهتمام المرأة الكبير بالعلاقات الأسرية والاجتماعية.
لا بد أن أذكر هنا أن تعبير الرؤى لا يعدو أن يكون تخرصاً غير مبني على علم. ليس أدل على ذلك من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ''أصبت بعضاً وأخطأت بعضا'' عندما عبر رؤيا الرجل الذي دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم. وليس هناك اليوم من يدعي أنه أعلم من خليفة رسول الله. كما أن المعبرين اليوم يغلب عليهم التوجه الإعلامي والمادي أكثر من المهنية.
ركب رجال الأعمال هذه الموجة. ظهرت البرامج التلفزيونية المتخصصة في تعبير الرؤى. وبحكم حب الاستطلاع، زادت نسب المشاهدة والمشاركة في هذه البرامج بشكل جنوني. يتسمر الناس أمام الشاشات لرؤية شخصيات معينة لقدرتها على جذب المشاهدين من خلال طرق التفسير أو توجيه الأسئلة للسائل أو الحضور المتميز.
مع تعمق الظاهرة، وازدياد عدد المتابعين، ظهرت قنوات متخصصة تمثل نسبة برامج تفسير الرؤى نصف برامجها أو أكثر. استفاد الكثير من المعبرين من هذه القنوات وكونوا جمهوراً عريضاً من المشاهدات والمشاهدين. على طريقة التشجيع الرياضي، أصبح لدينا تشجيع المعبرين. كل معبر له جمهوره، يتابعون برنامجه ويدخلون في جدل شديد دفاعاً عنه.
إلا أن الظاهرة استفحلت بشكل غريب فنحن اليوم نجد صفحات متخصصة في الصحف اليومية والمجلات. دخل المضمار رجال الدين وعلماء النفس حتى أشخاص لا علاقة لهم بالمجال اعتماداً على قدراتهم الشخصية التي لا يسندها علم أو تخصص.
بدأت شبكة الإنترنت في سحب البساط من قنوات التلفزيون ووسائل الإعلام المختلفة. مميزات الشبكة كثيرة، فهي مجال مفتوح للجميع. سهل الاستخدام. القيود على مستخدميه محدودة. وهو الأرخص بين الجميع. ظهرت المنتديات والغرف التي يمارس من خلالها المعبرون عملهم. إلا أنها قد تكون مصيدة خطيرة خصوصاً أن أكثر المتعاملين مع هذه المواقع هم من صغار السن، كما أن وسائل معرفة المتعاملين محدودة.
يمكن تفسير رؤيا هذه الأيام من خلال رسائل الجوال، هذه أبرز شواهد الاستغلال المادي لبراءة وحسن نوايا الناس، وهي أوضح صور عدم المهنية في هذا المجال، فالمواجهة الشخصية مع السائل من أهم العناصر التي كان مفسر الرؤيا يعتمد عليها. هنا لا بد أن نراجع ونوقف الاستغلال غير المشروع لهذه الوسيلة. ليس لأن هذه الوسيلة مكلفة فقط، لكن لأنها تعتبر استغلالاً لمشاعر الناس، وتوجيهاً للعقلية الجمعية باتجاهات قد تكون خطيرة. فبعكس الحالات السابقة، استخدام رسائل الجوال لتفسير الأحلام هو وسيلة غير مكشوفة. يتم فيها تبادل المعلومات بين شخصين دون أن يطلع أحد على ما يدور بينهما.
التبادل الفكري بهذه الطريقة يمكن استغلاله أسوأ استغلال. لك عزيزي القارئ أن تتخيل كيف يمكن أن يوجه عالم نفس سلوكيات شخص معين نحو تحقيق أهداف تضر بالدولة أو الأسرة أو الشخص نفسه. إن الرقابة على عمليات تبادل المعلومات بين الأشخاص عملية مهمة في حالات وجود خلل أو عدم توازن نفسي أو معلوماتي بين الأفراد ومن يتعاملون معهم. تصل مثل هذه الرسائل إلى أشخاص معينين، لنسمهم ''الفئة المستهدفة''. يختار مرسل الرسالة الفئة المستهدفة بوسائل كثيرة تكون مبرمجة غالباً. الاختيار هو العنصر المهم الذي لا بد من التركيز عليه. فوضع الشخص الاجتماعي أو علاقاته الأسرية أو موقعه في المدينة أو حتى زملاؤه وأصدقاؤه، كلها وسائل يمكن استغلالها للتأثير على الفئة المستهدفة.
العنصر المهم الآخر هو نوعية المعلومات المتبادلة، هذه المعلومات قد تكون بريئة، لكن هذا أمر غير مضمون. ضرر هذه المعلومات قد يكون شخصياً أو أسرياً أو اجتماعياً. فالشباب معرضون بحكم أعمارهم، والبنات معرضات لأنهن أكثر تجاوباً مع مفهوم التفسير هذا بحكم العاطفة، وفئات المجتمع المختلفة تتأثر باختلاف المعلومات التي تهمهم أو حالاتهم الاجتماعية أو المهنية أو النفسية. هذا يجعلنا نتخيل أمورا كثيرة يمكن أن نتخوف منها.
رغم قناعتي بأن استغلال البرامج والقنوات وصفحات الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت المفتوحة لتفسير الرؤى أصبح ممجوجاً وظاهرة لا بد من الحد منها بحكم طغيان ظهورها، وعدم دقة وعلمية ما يتم تداوله فيها، وصمت المراجع والمتخصصين. سلبية هذا الانتشار وأثره الواضح في المجتمع يمكن النظر إليها من زوايا متعددة. فهي وسيلة للاستغلال المادي، كما يمكن أن تسيئ لسمعة مجتمعاتنا بحكم الانتشار الواسع. إلا أن كل هذه الوسائل لا تشكل خطراً مباشراً وجسيماً على المجتمع والفرد.
الكثير من مستخدمي الشبكة في المملكة يشتكون من الدعايات والإعلانات التي تصلهم والاستغلال الذي لم يسمحوا به وهو - في رأيي - ليس من حق أي مشغل للشبكة أو مستخدم لها. لا بد من الحصول على موافقة مالك الشريحة عند الرغبة في إرسال أي رسائل دعائية. كما أن من المهم أن تكون هناك موافقة من جهة أمنية على نوعيات معينة من الإعلانات. وكذلك التصريح للإعلانات الدعائية للخدمات أو السلع من الجهات النظامية.
إلا أن رسائل الجوال التي تستهدف فئات من المجتمع دون فئات أخرى في ظل عدم وجود رقابة حقيقية تحمي الناس والمجتمع من مخاطر غير واضحة، واستهداف الوطن ومكتسباته من قبل جهات كثيرة؛ يجعل منع الرسائل التي تؤثر في سلوكيات الأفراد من استخدام شبكات الجوال العاملة ضرورة أمنية. كما أن الجهات التنظيمية المتخصصة كهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات ''وهما جهتان لا أعلم الفرق بين مهمة كل منهما''، لا بد أن تتخذ موقفاً موحداً وحامياً لأمن وسلامة الوطن والمواطنين من استغلال الشبكة بهذه الطريقة أو بطرق أخرى بالتنسيق مع قطاعات الدولة المهتمة بالأمن والصحة والخدمات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي