انتخابات الجامعة .. و«تويتر»
وفّر ''تويتر'' فرصة التعرف على بيئات كثيرة داخل المجتمع الواحد. البيئة الرجالية والنسائية، بيئة الدعاة والليبراليين والعلمانيين، بيئة الموظفين والمعلمين ورجال الأعمال، بيئة الشباب والفتيات، الكبار والصغار، بيئات كثيرة يعيش المنتمون إليها بيننا، لكننا لا نرى حقائق حياتهم لأسباب كثيرة. أهم هذه الأسباب التحفظ الشديد والفصام الذي يعيشه المجتمع. يضاف إلى ذلك الهالة التي يضعها الكثيرون حول أشخاصهم في محاولة لمنع الآخرين من معرفة نقاط ضعفهم.
تعرفنا على الشيخ المندفع، كما قرأنا للمسؤول الذي يحسب نفسه شاعراً، وتابعنا تغريدات الإعلامي الذي يظن أن المجتمع عبارة عن أشخاص لا يحققون الحد الأدنى من توقعاته. تعرفنا على الشاب الواعي صاحب الثقافة العالية، قرأنا للفتاة المغرمة بالمعرفة، وكشفنا حالات من طغيان المسؤول وسوء استخدامه السلطة التي ما هو إلا وكيل عليها لحين تسليمها لغيره.
أحسب أن من أهم حسنات ''تويتر'' أنه أتاح فرصة تلاقي الأفكار والأشخاص والتقريب بين من تفصلهم مسافات جغرافية، وهم يتفقون فكرياً، وأنه يضج بالشكوى من الظلم ليصل خبره في ثوان، وهو كذلك يعج بالنزاعات بين مختلف الفئات، خصوصاً المختلفة فكرياً. سمح ''تويتر'' للكثيرين أن يوصلوا معاناتهم وشكاواهم صحية كانت أو تعليمية أو وظيفية أو فكرية أو إنسانية، وهو - في رأيي - ضرورة للمسؤولين في مستويات القيادة العليا في الدولة لمعالجة الأزمات قبل استفحالها.
كنت أعتقد أن أكثر فئات المجتمع شغباً وخلافاً هم المعلمون. ذلك أنني من عائلة يغلب على أبنائها العمل في سلك التعليم، ولم أجد في الغالب من هو راض عن عمله. أحدهم استمر يكابد مقابلة تلاميذ الابتدائية لأكثر من 35 سنة، فقرر التقاعد، مع أن آخرين كانوا يتحولون للإرشاد أو العمل المكتبي خلال سنوات قليلة. يشتكي المعلم في بداية حياته من منطقة تعيينه، ثم من مدير مدرسته، ثم من المرشد وإدارة التعليم والتلاميذ، ثم تأتي الشكوى الكبرى التي يشارك فيها المعلمون غيرهم من ''الموظفين في الأرض'' وهي الرواتب، فكيف بهم وهم يرون المعلم المصري يطالب بأن يكون الحد الأدنى لأجره ثلاثة آلاف جنيه، وهو ما يعادل 15 ألف ريال بالقيمة السوقية المقارنة بين البلدين.. ببساطة حياته كلها شكوى.
عملي مع الكثير من أساتذة الجامعات يذكرني بحالة معلمي المدارس، عزز هذا الانطباع قراءتي الكثير من العاملين والعاملات في قطاع التعليم العالي في ''تويتر''. يغلب على تغريداتهم في ''تويتر'' نقاط مهمة يمكن أن ألخصها في الآتي:
- عدم القناعة بإنجازات مسؤولي الجامعات، بل التشكيك في الكثير من الأعمال التي حصلت على هالة إعلامية خلال فترة معينة ومنها بعض الاكتشافات التي ركزت عليها إدارات سابقة للجامعات، وطريقة إدارة السنة التحضيرية، والأوقاف، وتصنيف الجامعات، وقضايا أخرى.
- الإحساس بالظلم وغمط الحقوق رغم أن الجميع ينتمون إلى نفس الكادر والمستوى العلمي، بل التشكيك في نتائج لجان التحقيق والمحاضر المرفوعة. ولقد رأيت نسخ وثائق أثبت فيها أحد الأساتذة خطأً وقع عليه من قبل عميد الكلية التي ينتمي إليها وتجريمه بطريقة أخلت بما ورد في محاضر التحقيق والإفادات المقدمة.
- نشر الغسيل بشكل عام من قبل المغردين وكشف الكثير من المعلومات التي قد تسيء للجامعة ومسؤوليها، إضافة إلى مناقشة القرارات والتعاميم بشكل مكشوف دون توخي الحيطة فيما ينشر.
إن حصول مثل هذه الأمور في جامعات كبرى ينتمي إليها عشرات الآلاف من الطلبة والطالبات، وتعد المصدر الرئيس للقادة والمسؤولين الذين سيتحملون مسؤولية إدارة البلاد، وحدوث هذا على مرأى ومسمع من شرائح المجتمع كافة التي كانت تنظر إلى الأستاذ الجامعي على أنه من ''الصفوة''، بل في مجتمع يندر أن يختلط فيه هؤلاء ببقية فئات المجتمع، يسيء للجامعات وللعاملين فيها.
إن النظر المقارن بين أساتذة جامعاتنا وأساتذة الجامعات الغربية، التي تخرج معظمهم فيها، يجعلنا نكتشف أن جامعاتنا ليست سوى مدارس ضخمة المباني والميزانيات والتأهيل. فشكاوى أساتذة الجامعات ما هي سوى شكاوى مدرسي المدارس مضخمة وتحوي كماً أكبر من الأموال والتقصد المخطط.
تعتبر الجامعات في كل دول العالم مصنعاً للكوادر والقدرات الخلاقة. كما تعتبر الموجه للسلوك والقيم في المجتمعات. وهي في واقع الأمر مرآة لما سيكون المجتمع عليه في المستقبل. إن هذا الكم من الشكاوى والخلافات والدعاوى والإحساس بالظلم يستلزم البحث عن حلول منطقية تلائم مستوى المتضررين العلمي والاجتماعي.
تطبق الجامعات في كل دول العالم أنظمة ديمقراطية في اختيار وتنصيب الكثير من المسؤولين، وهي في بدايتها تضع الطالب على الطريق من خلال المساهمة في التصويت على مناصب رئاسة وعضوية أندية الطلبة، وغيرها من الأعمال التي يشاركون فيها من الاتحادات الطلابية والفرق الرياضية والعلمية المختلفة.
السؤال المهم هو: لماذا لا نعطي الأستاذ الجامعي الثقة في اختيار رئيس قسمه، وعميد كليته، وبالتالي مديري الإدارات ومدير الجامعة؟ يمكن أن تحدد ضوابط منطقية تحكم عملية التصويت لمسؤولي الجامعة، كما يمكن أن تتم هذه العملية بالتدريج بحيث يبدأ بانتخاب رؤساء الأقسام وعمداء الكليات. عندها سيكون على الأستاذ الجامعي القبول بنتائج قراره الذي اتخذه بنفسه بدل الشكوى من أشخاص عينوا بقرار من خارج الجامعة.