رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الدخل لا ينخفض بنفس نسب ارتفاع التضخم

يخلط البعض بين نسب النمو ونسب التراجع، حيث يتصورون أن نسبة ارتفاع الأسعار أو الدخل أو أي متغير آخر من مستوى معين إلى مستوى أعلى مساو لنسبة تراجعها بين المستويين. ولإيضاح الفرق بين معدلات النمو والتراجع يمكن أخذ المثال التالي، فلو ارتفع دخل شخص من عشرة آلاف ريال في الشهر مثلاً إلى 30 ألف ريال في الشهر فإن نسبة الارتفاع أو النمو هنا 200 في المائة. أما إذا حدث العكس وتراجع دخل هذا الإنسان من 30 ألف ريال إلى عشرة آلاف ريال في الشهر فإنه يفقد ثلثي دخله أو 67 في المائة تقريباً. ولو انخفض دخله إلى ألف ريال فإن دخله يتراجع بنسبة 96,7 في المائة، أما في حالة تلاشي دخله ووصوله إلى الصفر فإنه ينخفض بنسبة 100 في المائة. والحال يسري على باقي المتغيرات الاقتصادية كالسعر والتكاليف أو الطبيعية كالوزن والطول والعرض فلا يمكن فقدان أو خفض أكثر من 100 في المائة منها.
ويرد في الإصدارات المحلية الكثير من الأخطاء الفنية والحسابية التي يرتكبها حتى بعض المتخصصين. فقد أوردت إحدى المطبوعات المحلية مقالة تتحدث عن التضخم الحاصل بين تموز (يوليو) من عام 2012 وكانون الثاني (يناير) 2007م في المملكة، وذكر الكاتب أن معدل التضخم خلال فترة الخمس سنوات ونيف كان 35,2 في المائة. وهذا الرقم صحيح لكل الفترة، ولكن لا ينبغي تسميته بالمعدل كما ورد في المقالة، حيث إن كلمة معدل تطلق على التغيرات السنوية أو الفصلية أو الشهرية. وركز الكاتب على إجمالي التضخم خلال الفترة كلها، ولم يعرج على معدل التضخم السنوي خلال الفترة والبالغ 5,6 في المائة. والهدف من المقالة كان واضحاً وهو إبراز رقم تضخم مرتفع، وذلك من خلال التحدث عن فترة زمنية أطول من سنة، وكلما زادت الفترة التي يقاس بها التضخم كبرت معدلاته. وإضافة إلى ذلك ارتكب الكاتب خطأً حسابياً جسيماً، عندما ذكر أن الارتفاع بنسبة 35,2 قاد إلى تراجع دخل الأسر السعودية بنسبة 35,2 في المائة أي معدل ارتفاع تكاليف المعيشة نفسه. وافتراض الكاتب أن الارتفاع في الأسعار يؤدي إلى فقدان النسبة نفسها من الدخل غير صحيح من الناحية الحسابية، وحتى لو ظلت كل المتغيرات الأخرى المؤثرة على الدخل ثابتة. وهذا الافتراض شبيه بتساوي ارتفاع وانخفاض الدخل المذكور في الفقرة السابقة. كما أن قصر الانخفاض على الأسر السعودية غير دقيق، حيث إن الرقم القياسي لتكاليف المعيشة يغطي كل السكان.
ولا يمكن إنكار أن ارتفاع تكاليف المعيشة يؤدي إلى تآكل الدخل، ولكن هذا التآكل يتم بنسب تقل عن مستويات ارتفاع الأسعار. وترفع زيادة الأسعار بنسبة 35,2 في المائة تكاليف السلع والخدمات التي كانت تشترى بمبلغ عشرة آلاف ريال إلى 13520 ريالا. وهو ما يعني أن الشخص الذي كان دخله 13520 ريالاً في بداية الفترة وظل دخله ثابتاً طول الفترة، تسبب التضخم في خفض القيمة الحقيقية لدخله عند نهاية الفترة إلى عشرة آلاف ريال. وفي حسبة بسيطة نجد أن نسبة تراجع الدخل لهذا الشخص بلغت 26 في المائة.
أما من الناحية الاقتصادية الفعلية فإن الدخول لا تنفق كلها على الاستهلاك ولا تحددها الأسعار فقط وإنما هناك عوامل أخرى تؤثر في الدخول كالزيادات في الدخول النقدية. وشهدت فترة السنوات الماضية زيادات متفاوتة في الدخول النقدية، حيث ارتفعت رواتب موظفي الدولة كما ارتفعت رواتب القطاع الخاص ولكن بنسب متفاوتة، ولهذا فإن من شهد دخله ارتفاعا بنسب أعلى من التضخم فقد حقق نمواً حقيقياً في دخله، أما من ارتفع دخله الاسمي بنسب تقل عن التضخم فقد تراجع دخله الحقيقي. ويسيء التضخم عموماً إلى جزء من المجتمع إلا أن جزءًا من هذه الإساءة تنتقل كفائدة للجزء الآخر، وهذه هي لعبة التضخم الكبرى، حيث يخفض التضخم الدخول الحقيقية لبعض فئات المجتمع إلا أنه يرفع الدخول الاسمية والحقيقية لفئات أخرى.
وكانت الإيجارات أبرز مسببات التضخم في الفترة الممتدة بين كانون الثاني (يناير) 2006 حتى تموز (يوليو) 2012، حيث أدت الزيادات الكبيرة في الإيجارات إلى زيادة كبيرة في الدخول الحقيقية لملاك العقار. وبلغت الزيادة في الإيجارات على مستوى المملكة خلال الفترة 109,7 في المائة، وهذا الارتفاع يفوق كثيراً الارتفاع الكلي للتضخم. ونتج عن ارتفاع الإيجارات في الوقت نفسه تراجع كبير في دخول المستأجرين خلال الفترة. فالمستأجر الذي كان يدفع ربع دخله مقابل السكن وظل دخله الاسمي ثابتاً خلال الفترة، تسببت زيادة الإيجار لوحدها في فقدانه 21,5 في المائة من دخله. ويسري نفس التحليل على الخدمات والسلع الأخرى التي يتبادلها أعضاء المجتمع. أما بالنسبة لمن يقطن بيته، وكذلك لمن يؤمن له السكن فلم يتأثر بارتفاع الإيجار، وانخفضت دخول هؤلاء بسبب التضخم بنسب تقل عن عموم السكان.
إن من الواضح أن فترات التضخم تولد فرصاً يستفيد منها بعض أعضاء المجتمع، ولكنها تكون عبئاً على الجزء المتبقي من المجتمع. وتتفاوت تأثيرات التضخم على فئات المجتمع المختلفة، ولكن الشرائح السكانية الأقل ثراءً والعاملة والمعتمدة على دخول ثابتة تعاني خسائر نسبية أكبر من الشرائح السكانية الميسورة. ويعود هذا لاستحواذ الأغنياء على معظم أدوات الإنتاج وقنوات التسويق والتوزيع والأصول الثابتة التي يرتفع إيرادها النقدي وقيمها مع التضخم. ونتيجةً لذلك توجه دول العالم الدعم في حالات التضخم للفئات السكانية محدودة الدخل والأقل ثراءً. ويستحق هؤلاء الدعم للحد من تراجع مستويات معيشتهم وسقوط المزيد منهم في براثن الفقر. ويقود التضخم بصورة عامة إلى انتقال الثروة والدخول بين الشرائح السكانية وتركزها في نسب منخفضة من السكان، ما يؤثر سلباً على السلام الاجتماعي واستقرار الدول.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي