قضية بنت الشمال.. دعوة للاستيقاظ
مر المسافر على أكثر من أربع فلل في الشارع الذي يسكنه قريبه. كلما سأل أحدهم عن منزل فلان الفلاني، اعتذر منه المسؤول بأنه لا يعرفه. آخرهم كان من ساكني الحي لسنين طويلة، وأكد أيضاً أنه لا يوجد أحد بهذا الاسم في الشارع، وقد يكون من سكان الشارع المجاور أو الذي بعده.
فوجئ الجميع عندما رأوا صاحبهم الذي كان يسأل البارحة عن بيت قريبه معهم في صلاة الفجر. سأله صديقي ''الفضولي'': هل وجدت منزل قريبك؟ فأشار إلى أبي خالد - حسب كنيته التي كان يعرفه الجيران بها. كانت صدمة للجميع أن يكون جارهم الذي عاش بينهم أكثر من عشر سنوات. عرفه الجميع بكنيته ولكنهم لم يعرفوا اسمه ولا من أين أتى. كان الجميع يتبادلون السلام ويعرفون بعضهم بالكنية، التي يحبذها أغلبنا.
قرر الجميع منذ ذلك اليوم أن يخصصوا يوماً كل أسبوع يجتمعون فيه كجيران، رجالاً ونساء وشباباً. أدركوا حينها أنهم فقدوا واحدة من أهم القيم الاجتماعية التي اشتهر بها أبناء هذا البلد، وهي التواصل بين الجيران واعتماد بعضهم على بعض. هذه القيمة التي ورثناها عن آبائنا وأمهاتنا، ولكننا لم نحافظ عليها كما ينبغي. ذكر لي أحد الزملاء - ببعض القناعة - أنه لا يعرف في شارعه الذي يسكنه سوى المسؤولين الذين قد يحتاج إليهم. قال بالحرف: عندما يسكن حينا جار جديد، نبعث له ''بذبيحة''، وهذا آخر عهدنا به.
حالة من التفرق سببها تلك القصور والفلل الراقية، ومحاولات البؤساء تقليد من يسكنها. لكن أهم أسبابها هو تخلي كثير من مكونات المجتمع عن دورها المهم في حماية وحدة الحي وتضامن الأسر التي تعيش فيه، حالة تفشت وانتشرت في كثير من المدن وحتى القرى.
شغل إمام المسجد وعمدة الحي وكبير القرية أدواراً مهمة في التركيبة الاجتماعية. كان الواحد منهم يعمل على توثيق الأواصر، وإصلاح الخلل، وتنبيه المخالف أو المقصر، وجمع مكونات مجتمعه الصغير في حالات الفرح والحزن والحاجة. اختفت هذه الأنشطة من حياة هؤلاء - إلا من رحم ربي - فأصبحت الأسرة تخبئ أفراحها وتبكي وحدها وتكابد كل شيء دون عون أو تفاعل من أقرب جيرانها. لا بد أن القارئ يعرف كثيرا من قصص التباعد التي تسيطر هذه الأيام.
استصرخت قصة فتاة الشمال التي قرر وليها - وهو عمها بعد وفاة والدها - أن يزوجها رجلاً ترفضه وهو لا يزال داخل السجن، كثيرا من التناول في مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام. هذه الفتاة لم تجد من تذهب إليه سوى أحد الناشطين الاجتماعيين في ''تويتر''، فشكت إليه حالها، ولم يقصر هو في نشر قضيتها والحصول على تفاعل كثير من المتابعين وذوي العلاقة.
هذا النمط الجديد من مواجهة المشكلات الاجتماعية هو ترف يستطيعه البعض دون آخرين. فكرت كثيراً في حال فتيات ونساء وكبار وأطفال مكلومين ومظلومين لم تسعفهم التقنية. كثير من القضايا السلوكية والاعتداءات الجسدية والنفسية عاناها هؤلاء، ولم تحظ بالهالة الإعلامية. يتوفى كثير منهم دون أن يعلم أحد بما عانوه في حياتهم، ودون أن يلقى المتسبب جزاء عادلا على ما اقترف في حق المستضعف الذين وضع الله حياته رهينة بين يديه.
لم يهب لنجدة هذه الفتاة أي من أقاربها أو من يفترض أن يكونوا حماة للفضيلة والسلوك القويم في المجتمع. هل ترون صوراً مكررة؟ نعم. فالمجتمع فقد قدراً كبيراً من تلاحمه وحمايته لأبنائه وبناته. نشاهد أو نسمع كل أسبوع - على الأقل - عن قضية برز فيها الظلم، لكننا نتعامل معها على أنها حالة لا تخصنا، وينظر كثير منا لمن يحاول أن يصلح متجبراً استغل سطوته أو يحمي ضعيفاً ضاعت حيلته، على أنه ''ملقوف''. هذا ما آلت إليه الأمور، فبعد أن كنا نستعيذ بالله مما نراه في الإعلام الغربي من مآسٍ واعتداءات وجرائم، أصبحنا نشاهدها عياناً أو نقرأ عنها في وسائل إعلامنا.
لماذا أصبح دور إمام المسجد هو إمامة الناس في الصلاة والقراءة بعد العصر في كتاب يعرف الجميع محتواه فقط؟ أين اختفي دوره المرشد للفضيلة والسلوك القويم؟ أين دور أستاذ المدرسة الذي كان كل أطفال الحي يخشونه ويخافون أن يرى عليهم أي زلة؟ كيف أصبح دور العمدة هو توقيع الأوراق والتعريف بالأشخاص بناء على معرفتهم لفلان أو علان؟ ولماذا أصبح عمله في قسم الشرطة بدل أن يكون في ساحة الحي؟ ولماذا التقتير على الأحياء في العمد فتجد عمدة لكل أربعة أو خمسة أحياء، يعد الواحد منها بمثابة مدينة كاملة في السابق؟ وفي السياق نفسه يأتي شيخ القبيلة أو كبير أهالي القرية الذي يتعوذ من سلوكيات الشباب ويسب الحاضر ويترحم على الماضي، برغم أنه ممن أفقدونا جمال الماضي وصفاءه.
أدعو من هنا الجميع إلى أن يبدأوا بالتعرف إلى جيرانهم وأن نكوِّن نمطاً يعيد لشارعنا وحينا روحه وحياته التي فقدها. أدعو إلى أن نتعرف على مشكلات بعضنا ونتعاون على حلها. أدعو لحماية المستضعفين وكبح المتجبرين من قبل أهلهم وجيرانهم وليس من قبل ''تويتر''.