الحد الأدنى للرواتب .. عندما نرضى بنصف الحل

كثيرة هي المواضيع الساخنة على ساحتنا الاقتصادية هذا الأسبوع، التي قد يستمر النقاش حولها أسابيع عدة، لكن أكثر تلك المواضيع سخونة في نظري هو قرار وزارة العمل بالحد الأدنى للأجور. لكن يجب أن نضع لهذا المفهوم حدا إضافيا حتى تتضح الصورة للقارئ الأجنبي فنقول: ''حد أدنى لأجر الموظف السعودي فقط''. قليل هم الذين لم يطالبوا بحد أدنى للأجور في المملكة، حتى أن عددا من رجال الأعمال سبق وزارة العمل فعلا وقرر أن يضع الحد الأدنى لرواتب السعوديين بخمسة آلاف ريال وتبعه عدد آخر من رجال الأعمال، لكن الأمر لم يتخذ صورته الرسمية إلا مع قرار وزارة العمل الأخير.. والسؤال: هل سيصلح هذا القرار من هيكل سوق العمل في المملكة أم سيزيده اعوجاجا؟
في نظري أنه سيزيده اعوجاجا. فلماذا؟ قبل الإجابة يجب أن أشدد على أنه يجب قراءة هذا المقال في ضوء مقالات سابقة عن سوق العمل تحدثت فيها بإسهاب حول ما أريد الوصول إليه. فهيكل سوق العمل في المملكة يئن من انحرافات شديدة في جانبي العرض والطلب، فهي سوق متعددة المستويات، بمعنى أن هناك مستوى الطلب الحكومي للعمال (الموظفين) وطلب القطاع الخاص، وليس هناك دراسات (على حد علمي) تغطي هذا وآثاره، والمعلومات هنا شحيحة. وفي جانب العرض هناك أيضا مستويات متفاوتة بين عرض العمالة الأجنبية والعمالة السعودية، بل حتى داخل هذه المستويات بعضها بعضا. في نظري أن إصلاح السوق يجب أن يكون شاملا وليس جزئيا، فلا يمكن لنا أن نفرض على الشركات توظيف السعودي ونحن لم نقنن عملية الاستقدام بعد. نحن نفرض على السوق سلوكا معينا متجاهلين تماما ماكينة السوق التي لن ترحم أحدا (وأقصد بها قواعد العرض والطلب نفسها) وستخلق لنفسها طرقا جديدة للتوازن حتى لو كانت غير قانونية، ومن ذلك التحايل الواضح جدا على ''نطاقات'' بالسعودة الوهمية والضغوط الكبيرة من الشركات لتخفيض النسبة، وحققت كل هذه الأساليب بعضا من النجاح. فالقوانين التي تتجاهل آلية العرض والطلب تتجاهلها السوق بدورها، وإذا كانت الوزارة قادرة الآن على الصمود لظروف معينة (سياسية واقتصادية) فإن تغيير الظروف بأي اتجاه سيكون وخيما على البرنامج ككل، والجميع يراهن على الوقت فقط. إننا نريد صناعة سوق عمل ''مستقرة -عادلة - جاذبة للعمالة الماهرة'' وليس حربا متعددة الأطراف تنتظر جميعها من أين ستهب الريح؟.
لقد وعد وزير العمل بتطبيق ''نطاقات'' وأوفى بوعده ثم بالحد الأدنى للأجور وها هو يوفي به، ورغم كل الشكر والتقدير لهذه الخطوة الجبارة من قبل وزارة العمل، لكني ما زلت أقول: إن الرضا بنصف الحل غير مجد، فالقضية التي تجعل انتظام السوق أمرا بعيد المنال حتى الآن أننا تجاهلنا العدالة في الأجور، يجب أن يكون نوع العمل هو مناط تحديد الأجر وليس الجنسية أو النوع واللون، الإسلام يفرض هذا والعدالة الإنسانية أيضا تفرضه. المشكلة أن نعتقد أن العامل الأجنبي تهديد لنا والعمال الأجانب ينظرون إلى السعودة كمشروع مهدد لهم، لهذا لن نستطيع خلق توازن عادل في السوق. مرة أخرى أكررها المهم عندنا هو خلق سوق عادلة وجاذبة للعمالة الماهرة. ووفقا للإحصائيات والتنبؤات فنحن في حاجة إلى الملايين من الوظائف الإنتاجية في السنوات القادمة، ولا أعتقد أن أحدنا يريد أن نملأ هذه الوظائف بعمالة سيئة التدريب والمهارة ولو كانت سعودية، بل نحن في حاجة ماسة إلى العامل الماهر، لأنه المحرك الحقيقي لبناء اقتصاد قادر على توظيف كل الموارد ومن ثم زيادة الإنتاج لخلق فرص وظيفية أكثر وهكذا من أجل البقاء في عالم شديد التنافسية محدود الموارد. العمالة الأجنبية ليست تهديدا، بل يجب أن يكونوا شركاء نجاح، ولنا في ماليزيا وسنغافورة مثال يحتذى. ولا أتوقع أن أحدا يريد أن نتخلى كمجتمع عن العمالة الأجنبية الماهرة جدا التي تقدم خدمات حقيقية للمجتمع السعودي، بل كل ما نريده هو تفاعلهم مع المجتمع بطريقة صحيحة، وأن يصبحوا شركاء نجاح وليسوا مجرد كائنات طفيلية تتغذى على ثروة النفط السعودية، وما أن يلوح التهديد الاقتصادي حتى تلوذ بالفرار.
مرة أخرى، فإن المهم هو التوازن العادل (والعدالة لا تقتضي التساوي). ولذا قلت في أكثر من مقال ومن مناسبة: إن الحد الأدنى للأجور ضروري، وجاءت وزارة العمل بنصف الحل فقط، لكنها لم تأت بالحل كاملا بعد، الأجر مقابل الجهد وليس مقابل المواطنة أو الجنس أو اللون، ولا يمكن تصنيف الأجر بحيث نقول: إن أجر الساعة هو كذا في مقابل الجهد، إضافة إلى كذا في مقابل الموطنة، هذا غير عادل، كما أن بقاء حال العمالة الأجنبية عند مستويات الأجور المتدنية في معظم أوجه الحياة (ليس على إطلاقه طبعا فهناك فئة التنفيذيين الذين يحصلون على ثروات حقيقية فعلا)، سيخلق سجلا إنسانيا غير جيد وسيكون فخا ومَدْخَلاً للمنظمات الدولية حين يريدون ذلك.
ما زلت أتوقع من وزارة العمل جهودا أكبر لإعادة سوق العمل للتوازن الشامل حتى بين القطاعين الحكومي والخاص، فعدالة في الأجر يجب أن تكون موحدة بين كل فئات الشعب، سواء عمل في حكومة أو عمل في قطاع خاص، سواء أكان سعوديا أو أجنبيا، فالجهد والإنتاج والقيمة المضافة هي مناط الأجر وليس العمل الحكومي أو الجنس والجنسية أو اللون. لذا يجب أن توحد الأجور بين القطاعين العام والخاص (ثم تستطيع الدولة أن تدفع للمواطنين الفروق كيفما تشاء وفي أي صورة شاءت كبدلات ومعونات وإكراميات، لكن يجب أن يبقى الأجر في مقابل الجهد موحدا على مستوى الدولة ككل) وإلا سنجد أنفسنا ولو بعد عقود من الزمان في مواجهة أزمة كأزمة اليونان. نحن في سعة من الرزق الآن، ويجب أن نحل مشكلاتنا في هذه السعة وليس في الأزمة التي ستفرض حلولها علينا من الخارج.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي