رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الخدمة لم تصل بعد

من المفترض أن يعمل القطاع الخاص بكفاءة أكبر من القطاع العام، ليس لأن العاملين في الأجهزة الحكومية أقل تدريبا ومهارة من زملائهم في القطاع الخاص، لكن لأن طبيعة القرار العام تتطلب تطبيقه على جميع الناس دون الأخذ في الحسبان التفاوت في الأذواق والتمايز في الحاجات. إن ما يميز القطاع الخاص هو الاستجابة لأذواق الناس المتفاوتة وبحسب قدراتهم المالية ليحصل كل فرد في النهاية على ما يريد من خدمة أو سلعة كما ونوعا وجودة وتكلفة. وإذا فشلت المؤسسة الخاصة في تحقيق ذلك، فهذا يعني أن ثمة مشكلة في عملية صنع القرار والإجراءات الإدارية المتبعة والثقافة التنظيمية وقدرة العاملين في تلك المؤسسة على تلبية رغبة المستهلك. المعيار الأول في قياس نجاح المؤسسة التجارية (أي مؤسسة دافعها الربحية) أن الخدمة تبحث عن العميل وليس العكس، بل إن ذلك هو المتوقع والسبيل الوحيد لتحقيق عوائد اقتصادية مجزية للمشروع التجاري. وعلى أن ذلك يبدو بديهيا وينسجم مع فطرة الإنسان في تحقيق مصلحته الخاصة، كسعي رجل الأعمال الحثيث لتعظيم أرباحه بزيادة مبيعاته، إلا أن هناك مؤسسات كبر حجمها وترهلت وتحولت إلى بيروقراطيات ثقيلة الحركة تستغرقها الإجراءات الورقية المطولة انشغلت بتطبيق أنظمة التحكم والسيطرة ليس لضمان الجودة ورضا العميل، لكن لعدم الثقة بموظفيها، ليكون همها الأول تضييق الخناق على موظفيها والتسلط عليهم، وهذا بلا شك يقف عائقا في سعيهم لرضا العميل. وقد يكون المبرر لهذا الوضع الغريب احتكار المؤسسة للسوق، ولعلمها أن العميل ليس له خدمة بديلة، إلا أن ذلك له تكلفته على المؤسسة، فالتأخر في تقديم الخدمة يفوت الفرصة لتعظيم الأرباح. وهناك سبب آخر لتأخر تقديم الخدمة حينما تفرق المؤسسة في تعاملها مع عملائها، فتمنح الخدمة في التوقيت والجودة المناسبتين لبعض العملاء وتؤخرها عن عملاء آخرين. وهذا بلا شك عيب إداري كبير لأي مؤسسة تعمل في القطاع الخاص، إذ إن من المفترض أن تقدم الخدمة بجودة عالية وفي أقل وقت وتكلفة لجميع العملاء دون تمييز، وإذا ما كان لا بد من تمييز فيكون فيما وراء ذلك بمنحهم امتيازات تفوق ذلك. والحقيقة أن هذا الوضع إفراز لغياب الرقابة العامة وضياع حقوق المستهلكين، ولو علمت المؤسسات التجارية أن حجب الخدمة أو تقديمها متأخرة أو دون الجودة يعاقب عليه القانون لما تجرأت وتلاعبت بحقوق المستهلكين دون مبالاة. وهكذا يظل المستهلك في كثير من الأحيان يستجدي الخدمة استجداء وبإذلال للحصول عليها مع أنه يدفع قيمتها. فأي وضع أعجب من ذلك؟ وكيف لنا كمجتمع أن ننطلق إلى العالم الأول وما زالت بعض المؤسسات التجارية تتعامل مع العملاء بهذه العقلية وهذا التعالي والنظرة الدونية؟ وإن كان البعض يعيب على بعض الأجهزة الحكومية تدني مستوى خدماتها وطول إجراءاتها فإن العيب أكبر وغير مقبول البتة في حال مؤسسات القطاع الخاص. التعامل الفظ والتكاسل والمماطلة من قبل موظفي المؤسسات الخاصة في تقديم الخدمة يعكس مستوى وأداء وأسلوب القيادات الإدارية لتلك المؤسسات والثقافة التنظيمة، التي يمكن وصفها باللامبالاة والاهتمام بالشكليات والاستهلاك الإعلامي. والعجيب في الأمر أن تلك المؤسسات تنفق ملايين الريالات في الدعاية والإعلان لتحسين صورتها لدى العموم وتعزيز موقعها في السوق، لكنها تعجز عن الوفاء بعهودها لعملائها، وهذا تناقض يستوجب التوقف عنده كثيرا وتحليله وفهمه. والمبرر الوحيد – في ظني - لهذا التناقض تركيز القيادات الإدارية في تلك المؤسسات على النجاحات الشكلية، فعندما تملأ اللافتات الإعلانية المزينة باسم المؤسسة شوارع المدن يمنحهم شعورا بالإنجاز الوهمي وأنهم أتموا ما أوكل إليهم، وهو أمر سهل لا يتطلب سوى دفع تكلفة الإعلان الباهظة. هؤلاء القياديون يغطون في سبات عميق ويستمتعون بمنطقة الراحة دون ضغوط تذكر ولا مطالبة بإعمال عقولهم في تقديم مبادرات وإبداعات لتحسين الخدمة بشكل مستمر. هذا التراخي واللامبالاة من قبل القيادات الإدارية يؤسس لثقافة تنظيمة تنتشر لتشمل جميع المستويات الإدارية. هذه الغفلة الإدارية في تلك المؤسسات تجعلها منظمات لا تتعلم وتبني خبرة تراكمية وتفوت الفرصة في معرفة الواقع والتنبؤ بالمستقبل لتزيد من قدرتها التنافسية.
ما أثار موضوع تدني مستوى الخدمة في بعض مؤسسات القطاع الخاص تجربة مريرة ومحبطة مع إحدى شركات الاتصالات. فعلى الرغم من أنني عميل لها منذ مدة، إلا أنني لم أتمكن من الحصول على الخدمة التي أرغبها منذ ما يقارب الشهرين وما زلت أنتظر، والسبب المقاول المتعهد بإيصال الخدمة لم يقرر بعد إيصالها! وفي كل مرة يتم الاتصال بالشركة يكون رد الموظف أنه ليس له علاقة بالأمر! إنما ذلك يعود لمقاول الشركة. نصحني البعض بالاتصال بقسم الشكاوى في الشركة، وفعلت أكثر من مرة، لكن لا حياة لمن تنادي! هل من المعقول ألا أستطيع بحر مالي أن أحصل على الخدمة؟! هل من المقبول في بلد مثل السعودية تسعى نحو مجتمع المعرفة والاقتصاد الرقمي أن تتأخر الخدمة لأكثر من شهرين؟! هل من النظام أن تعطل مصالح الناس دون أن يكون هناك عقاب لمن تسبب في ذلك؟! كيف تضيع حقوق المستهلك في اقتصاد قوي مثل الاقتصاد السعودي؟! لماذا اللامبالاة في تقديم الخدمة للعملاء وعدم السعي في تعظيم العوائد الاقتصادية؟! أسئلة بعض إجاباتها في مقدمة المقال وبعضها ليس لها إجابات لأنها خارج المنطق وضد طبيعة الأمور، ولربما كان لدى المسؤولين في هذه الشركة مبررات لا نعلمها، لكن ما نعلمه أن الخدمة لم تصل بعد!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي