رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المرض الجميل!

مرض تتمنى أن تُصاب به بل تنقله لمَن حولك فهو مرض يحملك إلى أرجاء العالم ويطوف بك المدن وأنت لم تغادر مكانك. إنه هوس الكتب أو ''الببلومانيا'' المُصاب به يعشق الكتب حدّ الهوس، فرائحتها عطره، وصوت تقليب صفحاتها موسيقاه، وملمسها سر سعادته، لدرجة أنهم يقولون إن المصاب بهذا المرض قد يتعرّف على تاريخ كتاب ما من شكله وملمسه وصوت صفحاته!
وفي الحالات الشديدة من المرض لا يعشق الكتاب في حد ذاته أو قراءته كما في المرض المعروف بـ ''الببلوفيزم'' أو ما يُطلق على المُصاب به ''دودة الكتب''، بل يعشق امتلاكها درجة أنه قد يشتري الكتاب نفسه بنسخ عدة وطبعات مختلفة ويقنع نفسه أنه ربما يكون هناك فرق بينها! ويستمتع برؤية الكتب مكدسة أمامه في كل مكان حتى على السلالم وفي أماكن لا تخطر لك على بال. ووصل الأمر بالبعض إلى حب أكلها بالمعنى الحقيقي وليس المجازي.. يقال إن أحد المصابين بهذا المرض قدّم لأصحابه في وليمة أعدّها لهم حساءً لذيذاً ممزوجاً بأوراق من ديوان لأحد الشعراء!
وتطورت الحالة عند بعض المصابين به حدّ سرقة الكتب نفسها أو سرقة المال لشرائها، كما حدث مع ستيفن بلومبيرج الذي سرق ما يعادل خمسة ملايين دولار لشراء الكتب، أما السير توماس فيليبس فقد وجد بعد وفاته أنه يملك 160 ألفاً ما بين كتاب ومخطوطة والتي قد يستغرق بيعها 100 عام. وبلغت عناية بعض المهوسين بالكتب درجة تغليفها بأندر أنواع الجلود مثل جلد الفيل أو الحوت أو الثعابين.
أما بنيامين تيلر فقد وصل إلى أقصى درجات الهوس، حيث غلف كتابه بجلد إنسان!
والتاريخ يقول إنه قل أن تجد مثقفاً أو عبقرياً لم يصب بهذا الداء بداية من الشاعر اليوناني يوريبيديز قبل الميلاد، إلى الشاعر الروسي باسترناك في العصر الحاضر، مروراً بالكثير من المبدعين مثل الصاحب بن عباد الذي قيل إنه يحمل كتبه على 30 جملاً أينما رحل. وكان ابن القيم مغرماً بجمع الكتب، فجمع منها ما لا يحصر حتى كان أولاده يبيعون منها دهراً طويلاً سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.
يقول ديورانتول في كتابه قصة الحضارة: ''ولم يبلغ الشغف باقتناء الكتب في بلد من بلدان العالم، اللهم إلا في بلاد الصين في عهد منج هوانج، ما بلغه في بلاد الإسلام في القرون الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر''.
لقد كان العلماء وغيرهم.. يبذلون، في سبيل اقتناء الكتب، الأموال الطائلة، ولم يكونوا يتردّدون في شرائها أبداً، بل كانت محبتهم لها تجعلهم لا ينظرون إلى سعرها البتة.. يقول الجاحظ: ''كان سخاء النفس بالإنفاق على الكتب، دليلاً على تعظيم العلم'' روى عن أحد علماء أصبهان الأغنياء أنه أنفق في شراء كتبه 300 ألف درهم، وكان بعض القضاة يشتري الكتب بالدَيْن والقرض، فقيل له في ذلك، فقال: أفلا أشتري شيئاً بلغ بي هذا المبلغ قيل فإنك تكثر، فقال: على قدر الصناعة تكون الآلة''
قال أحدهم لما عاتبته زوجته في كثرة ما ينفق على الكتب:
وقائلة أنفقت في الكتب ما حوت
يمينك من مال فقلت دعيني
لعلي أرى فيها كتاباً يدلني
لأخذ كتابي آمنًا بيميني
واهتمام المسلمين بالكتب نابعٌ من حرصهم على الدين والتعلم وتنمية الفكر، وهذا ما أدركه الأعداء إذ حاولوا فك هذا الترابط الوثيق بين المسلمين وكتبهم.. بكل ما أوتوا من قوة، لكي يتم القضاء على الإسلام وأهله.. لما تولى الكاردينال كسينميس الأمور في مدينة غرناطة سنة 1511 رأى أنه لا يمكنه القضاء على الإسلام والمسلمين في شبه الجزيرة نهائياً إلا بالقضاء على ثقافتهم وتراثهم الروحي وحضارتهم المتمثلة في تراثهم المخطوط، فأصدر أمره بجمع جميع الكتب العربية، ولا سيما المصاحف منها، فجمعت، وكانت غرناطة مسرحاً لإحراق أكبر عدد من الكتب العربية في جميع أنواع الفنون ومختلف فروع المعرفة التي بلغت 80 ألف مجلد.
يقول ألبرتو مانفويل في كتابه (تاريخ القراءة) إن من سمات المهووس بالكتب:
ــــ مجالسة العلماء لكنه ليس بمنزلة علمهم، فيجمع الكتب ليبرّئ نفسه من تهمة الجهل.
فمثلاً: هو عندما يسمع من العلماء حديثاً عن كتاب.. ويريد أن يبرّئ نفسه من الجهل.. ليس عليه إلا أن يقول في نشوة وفخر: الكتاب موجود عندي.. لا أكثر.
ــــ يجعلون الكتب كالتحف.. التي لا تتخذ إلا للزينة.. يزينون بها غرف نومهم، وأماكن جلوسهم فليتهم قرأوها ليتحفوا بها عقولهم، ويزينوا بها أذهانهم.
ــــ مجانين الكتب هم الذين يقتنونها لتكون سبباً أساسياً لشهرتهم.
ويزداد هذا الهوس في أثناء إقامة معارض الكتب فلا ترى إلا أكياساً وحقائب معبأة بأصناف الكتب، وقد تمر السنة والسنتان دون أن يطالع منها صفحة وتكون مجرد مستودع للأتربة.. نحب هذا المرض ونتمنى الإصابة به ولكن ليس حد الهوس، وندعو الله أن يخالطه مرض ''حب القراءة والشغف بها'' وألا ينطبق علينا قوله ـــ جلّ وعلا ـــ ''مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي