رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لا بد من حل لجمود رواتب المتقاعدين

وكيل وزارة أو لواء تقاعد قبل أكثر من 30 سنة، وقد بلغ من العمر عتيا. معاشه التقاعدي الآن لا يتجاوز خمسة آلاف ريال شهريا. السبب أن راتبه التقاعدي محسوب على أساس آخر راتب تقاضاه، قبل تقاعده. ومعلوم أن الرواتب آنذاك تقل عن الرواتب الآن كثيرا. زملاؤه في المرتبة أو الرتبة المتقاعدون حديثا يتقاضون نحو أربعة أضعاف راتبه.
آخرون أسوأ حالا. يتقاضون فقط الحد الأدنى من التقاعد، وهو نحو ألفي ريال شهريا. ولا يحق لهم الحصول على الضمان الاجتماعي.
هذه أوضاع صعب جدا الاقتناع بمنطقيتها واستمراريتها.
منشأ المشكلة أن نظام تقاعد موظفي الحكومة لدينا ينص على تسوية المعاش التقاعدي على أساس آخر راتب.
هذه ميزة من جهة. أنظمة التقاعد في دول أخرى كثيرة لا تحسب التقاعد على آخر راتب، بل تربطه بمتوسط الراتب لسنوات كثيرة. لكن النظام وبمقابل هذه الميزة، لا يأبه بما يطرأ على الأسعار وسلم الرواتب من زيادات فيما بعد.
غلطة المؤسسة العامة للتقاعد؟ لا. المشكلة تتجاوز قدرات المؤسسة. وهذا خلاف ما يظنه كثيرون.
وسأبين السبب بصورة أوضح.
نظام التقاعد، كما هو حال أنظمة التقاعد الرسمية في كل دول العالم، نظام محدد المنافع. وهذا يعني أن المعاش التقاعدي معروف مسبقا، ولا بد من دفعه. أي أن الدفع لا علاقة له بالأحوال والظروف مهما كانت. ولذا تضمن الدولة سد العجز، لو حصل. بخلاف المساهمات غير التقاعدية، عرضة للمخاطرة، ولا تضمنها الدولة.
وتدل الدراسات الإحصائية التقاعدية التي عمل كم هائل منها في العديد من الدول، على أن ما يدفع من الحكومات والموظفين مساهمة في التقاعد يساوي المعاش التقاعدي لبضع سنوات فقط، تتراوح بين خمس وعشر سنوات حسب اعتبارات كثيرة. بمعنى لو افترضنا نظريا أننا جمعنا كل الأموال التي اقتطعت للتقاعد من كل المتقاعدين، فإنها تساوي تقريبا المعاش التقاعدي لقرابة سبع سنوات في المتوسط.
ولكن التقاعد في المتوسط يستمر دفعه لمدة أطول، سواء للمتقاعد أو لورثته. طبعا الأعمار بيد الله. هناك من ينقطع تقاعده في اليوم التالي لتقاعده. لكن الكلام عن المتوسط. بمعنى أن المتقاعدين وورثتهم يحصلون في المتوسط على أموال تزيد على ما دفع كثيرا. فما مصدر تمويل هذه الزيادة؟ مصدر تمويلها في العادة عوائد استثمارات. ومن ثم ينبغي على مؤسسات التقاعد الاحتفاظ باستثمارات تزيد على المعاشات التقاعدية السنوية بعدة مرات. وترى دراسات اكتوارية ألا يقل حجم الاستثمارات عن عشر مرات المعاشات التقاعدية لسنة، وبعضها يرى أكثر من ذلك. وهذا من باب الاحتياط والاطمئنان إلى القدرة على دفع المعاشات التقاعدية في وقتها بغض النظر عن الظروف.
وتطبيقا، دفعت مؤسسة التقاعد قرابة 40 مليار ريال في العام الماضي معاشات تقاعدية (المصدر التقرير السنوي للمؤسسة عام 2011). بينما تبلغ استثماراتها المالية والعقارية نحو 70 مليار ريال (المصدر السابق نفسه). وبالمقارنة تبلغ استثمارات مؤسسة التقاعد اليابانية نحو 5500 مليار ريال.
وللفائدة: الوضع الاكتواري يعني أو يفيد في التعرف على مدى قدرة المؤسسة التقاعدية على الوفاء بالتزاماتها، بالنظر إلى أن صناديق التقاعد أو الأمان الاجتماعي في الدنيا تدفع أكثر مما تستلم. ويعتمد الوضع الاكتواري على عوامل كثيرة، كمتوسط الأعمار والبنية العمرية للموظفين ونسبة الإعالة.
يفهم ضمنا أن الوضع الاكتواري للمؤسسة لا يتيح لها زيادة معاشاتها التقاعدية بتمويل ذاتي.
ومن ثم لا بد من حل لمشكلة تدني الراتب التقاعدي لفئات، عرضت أمثلة لها في بداية المقال. ذلك لأن من الواجبات الأساسية لأي دولة التأكد من حصول كل مواطنيها على حاجاتهم الأساسية من مأكل ومأوى وعلاج ونحو ذلك. هذه الحاجات إن توافرت دون تدخل الحكومة فأهلا وسهلا، وإلا فعلى الحكومة مسؤولية تأمينها لمواطنيها، ولا يعفيها من ذلك إلا قلة الحيلة، لأن الله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها.
لا بد من وضع نظام يعالج تلك المشكلة التمويلية. ومن المعالجات المقترحة دعم المؤسسة العامة للتقاعد سنويا، أو دفعه تحت اسم آخر، وعبر جهات أخرى غير المؤسسة، بما يغطي الفرق. من الحلول زيادة مساهمة الحكومة في التقاعد. من الحلول ضخ عشرات المليارات الإضافية، لزيادة حجم استثمارات المؤسسة، حيث تستطيع تحمل زيادات المعاشات للمستحقين لها. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي