السعودي خالد.. مسيحيا (2 من 2)
لقد كنت مرتبطاً بانتظام مع الرابطة، وأنسق لها عندما لا أكون بالفلبين، ومعظمهم، إن لم يكن كلهم، صاروا لي أبناء وبنات، فقد عرفت معظمهم وهم صغار أكبرهم في الثالثة أو الرابعة عشرة، والآن بعضهم في العشرين والحادية والعشرين من أعمارهم، ولم يكن غريباً أن يودعوني جماعةً وأنا أغادر للمطار، وأن يستقبلوني بالترحاب وأنا قادم، لذا كلما أغادرهم أشعر فعلاً وكأني تركت معهم جزءاً من قلبي، وشيئاً من وجودي، ونصيباً من تفكيري وقلقي وتطلعي. أعرف كل شيء عنهم، وأعرف مدارسهم ودروسهم، وملفاتهم الصحية، وأنا بعيد عنهم أقلق قلق الأب الذي يخفق قلبه منذراً أن أبناءه وهم بعيدون في خطر، فأتصل بعائشة رئيسة الرابطة وأطمئن على كل واحد وواحدة.
ولكن.. حتى أنا الذي يدّعي الحبَّ والقلق، أخطأتُ، وزللتُ، ولم يكن خطئي هيـِّنا، ولا عقابي لنفسي سهلاً. وكان خطئي ليس خارج سيطرتي، ولكني أنقدتُ بالمشاغل الجديدة التي تكاثرت عليّ، وبدأت تسحبني بموج خفيف لا تشعر أنه يحركك بينما هو يجرفك بعيداً عن ساحلك.. مضت أكثر من سنتين انقطعت عن السفر للفلبين، وبدأ مع الوقت الاتصال يقل، واعتمدت على ناس منّا ضربوا على صدورهم أنهم سيهتمون بالرابطة وأبنائها، وكنا وقتها أخذنا موافقة شفهية من الرئيسة الفلبينية السابقة السيدة "أرويو" وهي تزورنا في المملكة، وتبرع أحدُ الإخوة وله صلات بالقصر الرئاسي أن يكمل إجراءات الرابطة بما وعدت به الرئيسة مبدئياً.. ربما كل هذه الأشياء ضربتني بالغفلة، وكان الثمنُ غالياً.. بل فادحاً.
وأنا في الخارج أخيراً لمتابعة علاجية كان لا بد أن أمر على الفلبين لأطمئن على الأبناء والبنات، ولكن وجه شريفة لم يكن ذلك الوجه الباش، وعرفت أن مياهاًَ كثيرة جرت تحت جسر الرابطة، وأكثرها مياه ملوثة. كانت الفلبين وبالذات الحاضرة مانيلا تواجه أشرس عاصفة محيطية منذ أكثر من 50 سنة أغرقتها كلها، حتى إننا انحبسنا في فندقنا ولم نستطع الخروج لأيام، وصرت أطلق عليها "كوكب الماء"، ماءٌ في كل مكان، ماء عميق يغطي أسقف البيوت.. كانت كارثة شردت في مانيلا فقط أكثر من مليون ونصف نسمة. وتشردت عائلاتُ أبنائنا وبناتنا، ولكن لم تكن هذه المسألة الأولى، لأن هذا يمكن مع الزمن إصلاحه. الضربة التي توجهت مباشرة إلى قلبي هي لما اجتمعتُ مع أبناء وبنات الرابطة، الذين لم يصلوا إلينا إلا بمشقة لا تُوصف. فوجئتُ أولاً بأعداد كبيرة جديدة، بل قالت عائشة والأخ أبو عبد المحسن الذي يلتقط أبناءنا المشردين في كل الجزيرة: إن هناك عائلات أخرى لم تستطع أن تأتي، وأنا الذي كنت أحسب أنا كدنا ننهي هذه المأساة، وإذا هي تنبع وتنبع. والصدمة الموجعة أن "حنان" وهي ممرضة معها شهادة الماجستير ومتفوقة بعد أن رفض أبوها أن يرد على مكالماتها ولغيابي، اتصلت بها امرأة بريطانية من الكنيسة عالجتها في المستشفى وتولعت بها، وحنان وياسمين الخالدي السبّاحة المعروفة صديقتان، وتعانيان الألم نفسه، وتعرفون مصير ياسمين، وأما حنان فقد هاتفتني من لندن وقالت لن أعود للرابطة، ولا الإسلام ولا السعودية وسنبقى أنا وياسمين على اتصال معك.. حنان التي كانت الأكثر التزاماً دينياً مع صالحة وحفظت أجزاءً من القرآن. ثم رأيت مشاعل وإذا هي تأتيني بلا حجابها، وتبشرني أنها وجدت عملاً ليلياً، بل تقول لي إنه ليس حراماً، لأن جارتهم الطيبة قالت لها العمل الليلي واجب لتعيشي أنت وأهلك على شرط ألا تتمادي، فأرادت أن تعمل بكازينو للقمار، وبلباس عار وتكسر وتخلع مع الزبائن، وقالت لي إنه عمل مهذب ما دام أني لا أخرج لأكمل ليلتي مع الرجال.. هه! أنا أكلمكم عن بنات من عائلاتنا المعروفة بالتقوى والصلاح وبناتهن بأسمائهن وأسماء العائلات الصريحة في أحط مكان يتردى له إنسان.. سألتها ونوّاف: قالت نواف صار راقصاً لحفلات العزوبية النسائية، وتتهافت عليه الفلبينيات لجمال ملامحه. وقلت أين صالحة عنكم كيف تركتكم؟ وقالوا لي بصوتٍ واحد، صالحة ماتت.. وكانت هذه ثالثة الأثافي. الضربة القاضية.
والقصص كلها تجعل هذه الرابطة الصغيرة في عين عاصفة الكنائس القوية والإغراءات التي تهدف الجسدَ لما يتمتع به أبناؤنا وبناتنا من حُسنٍ نظراً لاختلاط الدم فيُطلـَبون بسوق النخاسة وبيع اللحم البشري. وقد بكيتُ فعلا على واحدة من أهم من عملنا لها ولأمها التي اختفت ولم تأت، ثم أحضروا لي صورها كملكة عارضات ماركة شراب كحولي شهير واسم عائلتها السعودي المعروف وملامحها العربية الخالصة تطل لامعة وسط الإعلان.
لمتُ نفسي كثيراً، ولكن كيف أواجه صعوبات حياتهم والكنيسة ودور الإغراء والإعلان؟ لا أريد أن يموتَ شيءٌ في نفسي.. أعرف أنكم، ولا أدري كيف ولا ألزم أحداً، أنكم لن تتركوا شيئاً في الرابطة ولا نفسي.. أن يموت.