توفير الخدمات للمشاريع
تحدثت إحدى حلقات مسلسل ''شباب البومب''، الذي عرض في شهر رمضان المبارك عن مستشفى عرقة، الذي اشتهر خلال فترة من العام الفائت بأنه ''مسكون''، وأصبح علامة فارقة في سوء إدارة المشاريع في القطاع الصحي. نتذكر جميعاً - قبل ذلك بفترة - حال مدينة الملك فهد الطبية، التي لولا قرار جريء برصد المبالغ الكافية لتشغيلها لاستمرت سنين ولتحولت إلى مستشفى عرقة آخر.
تأتي الأعذار من كل جهة ويتهرب كل مسؤول ويبقى المواطن ضحية التخمين لمعرفة السبب. طالبت ويطالب الكثيرون بالشفافية المطلقة فيما يتعلق بمصالح الناس. الشفافية في المصروفات والشفافية في القرارات والشفافية في النجاحات والإخفاقات، هذه هي الوسيلة الأسهل لتلافي تكرار الأخطاء في المستقبل. يأتي هذا في إطار ما يعرف بـ ''الدروس المستفادة''، إن كل تجربة تمر بها أي جهة هي عبارة عن عملية لها بداية ونهاية وبينهما تتم كثير من الأعمال والإجراءات والأنشطة التي لا بد من مراجعتها والتعرف على مزايا وعيوب كل منها.
تقع الأخطاء سواء كانت كبيرة أو صغيرة في كل مكان، القضية الأهم هي ألا تكون الأخطاء بحجم كارثي يؤدي إلى فقدان الفائدة المتوخاة من المشروع أو العمل. فالأخطاء البسيطة يمكن حلها والاستمرار في الإنتاج، أما المشاكل الرئيسة فهي تتطلب إما التوقف أو حتى التخلص من جزئيات كانت تعتبر منتهية بالنسبة لمسؤولي المشروع.
يهدف تحويل الأعمال المنفذة إلى مشاريع إلى إعطاء مزيد من الحرية والصلاحيات للمراقبين والمنفذين. فلمدير المشروع صلاحيات ولمهندس المشروع صلاحيات وكذلك فرق العمل في المشروع، ولكل منهم تخصص يدعم ما يقدمه لمصلحة النتيجة النهائية. هذه الصلاحيات تدعمها مفاهيم جديدة في عالم الإدارة، أهمها برنامج مدير المشروع المحترف PMP، هذا البرنامج يعد الركن الأساس الذي يجب أن يكون من ضمن مؤهلات كل العاملين في المشروع. فمنه وبه يمكن السير بالمشروع إلى بر الأمان، لأنه يعتمد أفضل الممارسات المهنية العالمية. كما أن شجرة إدارة المشاريع عبارة عن خريطة طريق لا يمكن الاستغناء عنها في هذا المجال. يضاف إلى هذه المعلومات العلمية، مجموع الخبرات الشخصية التي يتمتع بها العاملون في المشروع والتأهيل الأكاديمي.
يجب أن يكون مدير المشروع ومهندس المشروع وأكبر عدد ممكن من فريق العمل المشرف على إدارة المشروع مشاركين في مراحل الإعداد وعلى اتصال مع الجهة التي تقوم بتحديد المواصفات وكراسات العروض بما يضمن مشاركة الجميع في تقديم الآراء ومناقشة المواصفات والمتطلبات. يؤكد مثل هذا الإجراء مسؤولية الجميع الأدبية والعملية عن كل جزئيات المشروع.
يجب أن يطرح المشروع بكليته، حتى مرحلة التشغيل الفعلي، وأن يراعى فيه تقلبات الاقتصاد والتضخم وغيرها من العوامل المؤثرة في إنجاز العمل. ليس أسوأ من مشروع يطرح غير مستوفِ المتطلبات الرأسمالية، على أمل أن تُحرَج وزارة المالية أو الجهات الأخرى لإقرار المبالغ عندما ترى أن المشروع قائم، السيولة سبب في تأخر كثير من المشاريع أو حتى عدم دخولها مرحلة التشغيل.
أسوأ من هذا أن تجد مشروعاً ناجزاً كمبان ومنشآت لكنه يفتقد التجهيزات والمعدات، أو الطاقة الكهربائية، أو المياه، أو الصرف أو حتى الطرق. هذا دليل واضح على أن الجهة التي تدير المشروع تعاني إشكاليات رئيسية في مجال إدارة المشاريع. أعرف مشروعاً بقي على حاله كمنشآت لمدة تجاوزت خمس سنوات بسبب عدم وجود محطة كهرباء فرعية لتغذيته بالطاقة اللازمة.
أقف اليوم على بعد نحو 500 متر من مشروع عملاق، جامعة حديثة تحتوي على منشآت وبنية تحتية ومدينة طبية كبرى. المشروع يبدو في مراحله الأخيرة، فالمباني وصلت مرحلة التشطيبات - كما أشاهد. حاولت أن أبحث عن معلومات عن المرحلة التي وصل إليها المشروع، لكنها ليست متوافرة. المشروع يمتد لمساحات شاسعة ويبعد عن مدينة أبها نحو 20 كيلومترا وضعفها عن مدينة خميس مشيط. أتوقع أن يلتحق بالمشروع ما يزيد على 100 ألف إنسان بين طالب وأستاذ وموظف وعمال خدمات، يلحق بهم عدد كبير من الجهات الخدمية والأسواق والمحال التجارية ومراكز الخدمات. قد يُفتتح المشروع خلال فترة لا تتجاوز عامين – إذا استمر العمل بالوتيرة الحالية.
تصور عزيزي القارئ أن الطرق المؤدية للمشروع لا تزال طرقا ذات اتجاه واحد. لا يوجد أي طريق دائري يخدم المشروع، إنما مجموعة من الطرق الزراعية القديمة. لم أشاهد محطة تحلية مياه لهذا العدد الهائل من البشر. لم أشاهد ما يدل على أن هناك مشروعا للصرف الصحي لخدمة هذا المشروع العملاق، رغم وجود مشاريع صرف صحي في القرى القريبة من المشروع. رأيت في الموقع محطة كهرباء، لكنني لست متأكداً أنها ستكون قادرة على الوفاء بمتطلبات المشروع الهائل. كما لم أشاهد أي أعمال تطوير للمنطقة المجاورة للجامعة سواء من ناحية الخدمات أو الترفيه أو الأسواق أو الفنادق بما يضمن تفاعل المنطقة مع هذا المشروع الكبير.
أتمنى أن يستفيد المسؤولون في منطقة عسير من تجربة ''أرامكو'' في إنشاء المدن وتوفير خدماتها لتوفير الخدمات لأهم مشروع في المنطقة في الوقت الحاضر، جامعة الملك خالد.