اعتراف أخرق
عرف العالم الأسلحة الكيميائية منذ قرون ما قبل الميلاد. كانت عبارة عن دخان سام واستخدام النيران كالنار الإغريقية، لكن تطوير أسلحة يمكن تخزينها ثم نشرها في وقت محدد لم يتم بالشكل الذي نراه اليوم سوى في الحرب العالمية الأولى التي استخدم فيها ما يقارب 125 ألف طن من العوامل الكيميائية التي تم إطلاقها بواسطة المدفعية أو الصواريخ. سببت هذه الأسلحة أكثر من مليون وثلاثمائة ألف ضحية في الحرب العالمية الأولى.
هذه العناصر تعتبر سهلة التركيب، ولكنها ذات أثر مدمر على من يستنشقونها كغاز الأعصاب والسارين أو من تقع على أجسامهم وتسبب تقرحات وحروقا كمواد الأسيد والخردل. سارعت دول العالم للبراءة من الأسلحة الكيميائية باعتبارها من أسلحة الدمار الشامل، فبنهاية العام 2010 وقّعت 188 دولة اتفاقية الحرب الكيميائية CWC، التي تمنع تطوير وتصنيع وتجميع وحفظ أي عوامل كيميائية قاتلة لأغراض عسكرية.
صدم اعتراف المتحدث باسم وزارة الخارجية والمغتربين السوري بوجود أسلحة كيميائية في ترسانة الجيش السوري كل المراقبين. السبب هو أنه ليس هناك أي دولة تريد أن يضاف إلى اسمها صفة الدولة التي تنتج أو تخزن هذه المواد السامة. والآخر أن سورية هي من الدول الموقعة على اتفاقية من الانتشار. يضاف إلى هذا أن المعلومات الاستخبارية أشارت إلى احتمال وجود هذه الأسلحة لدى الجمهورية السورية، وكانت الدولة تنفي ذلك دائماً.
لا يشك أحد في أن هناك دولا تحتفظ بعوامل مثل هذه تحت ظروف وسبل حماية شديدة. لكن أن تعترف دولة بامتلاك الأسلحة بهذا الشكل السافر، فهو إما غباء أو جزء من مخطط مدروس.
للدول العربية تاريخ سيئ في استخدام الأسلحة الكيميائية خلال الحروب التي مرت بالمنطقة. استخدمت عوامل الخردل والفوسفور والنابالم في الحرب الأهلية في اليمن خلال الستينيات من القرن الماضي، وراح ضحيتها أكثر من ألفي شخص. استخدمت الأسلحة الكيميائية مرة أخرى في العراق في قرية حلبجة الكردية وأدى ذلك إلى هلاك جميع من كانوا فيها، ثم في الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. لهذا يمكن توقع أن تكون هناك دول تحتفظ بكميات من هذه المواد القاتلة غير الشرعية.
يبقى السؤال المحير لماذا اعترفت دمشق بوجود أسلحة كيميائية؟ يمكن أن نقرأ في التصريح الكثير من الأسباب التي تدعو النظام لمثل هذا الإعلان. فالدول الحليفة لسورية بدأت تتحدث عن خروج بشار الأسد في صفقة تنهي الأزمة وتعطي الثوار النصر الذي يريدونه. الحديث بدأ من السفراء ثم الوزراء ثم رؤساء الدول. يرى الكثير من المراقبين أن خوف النظام من توقف الدعم الذي يحصل عليه من الصين وروسيا دفعه لهذا الإعلان الأرعن الذي يعتبر تهديداً صريحاً باستخدام السلاح الكيميائي كوسيلة لصرف النظر عن فكرة التخلي عن النظام.
يذهب آخرون إلى أن النظام بدأ يخشى من تدخل فعلي لوحدات الاستخبارات الغربية والقوات الخاصة داخل الأراضي السورية. تكرار السيناريو الليبي وارد في كل الأحوال، ومعلوم أن الطائرات بدون طيار، وطائرات المراقبة والتوجيه، ووجود أفراد ذوي تدريب عال، يمكن أن يساعد فرق الجيش الحر في تحقيق أهدافها بشكل أسرع وأكثر دقة من خلال الحصول على معلومات استخبارية فورية ودقيقة. هذا ما حدث مع القذافي وحقق نجاحاً باهراً عندما وصل الثوار إلى طرابلس.
التهديد باستخدام الأسلحة الكيميائية موجه بالدرجة الأولى إلى الدول الغربية التي لا تريد أن تخسر قواتها أو تدخل في عمليات طويلة الأجل. هذا احتمال وارد، خصوصاً عندما يتم الاتفاق بين هذه الدول والصين وروسيا على أن النظام زائل ولا بد من تقليل آثار زواله على أمن المنطقة.
القول بأن هذا الاعتراف جاء بسبب خطأ أو محاولة لتضخيم الذات هو قول يصعب تصديقه. السبب الأهم هو أن النظام بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة وسيستخدم كل الوسائل المتاحة لتدمير كل شيء. يشاهد الجميع كيف تعمل قوات النظام داخل المدن والقرى وكيف تقتل وكأنها دولة غازية؟ هذا التدمير يزيد يوماً بعد آخر من خلال استخدام المدفعية والدبابات والطائرات. هذا النظام أصبح متأكداً الآن بأنه إلى نهاية، لكن أي نهاية؟
التحليل الأخير الذي أعتقد أنه يمكن أن تكون له مصداقية من خلال متابعة أحداث الأسابيع الماضية بدءاً بتهرب كوفي عنان من حضور مؤتمر جنيف، ثم توجهه إلى دمشق وطهران وبغداد ثم موسكو وإعلانه أنه وصل لاتفاق مع بشار. هذه الجولة المكوكية أنتجت ما سماه عنان اتفاقاً على تعديل الخطة وتطبيقها بشكل مختلف، وصدَّق ذلك قرار مجلس الأمن بالتمديد للمراقبين بالعمل لمدة شهر فقط، يستعدون خلاله للمغادرة.
المغادرة ستكون جماعية حيث سيخرج بشار ومعه ما لا يقل عن ألف شخص من العصبة التي دمرت الشعب السوري ومقدراته طيلة 40 عاماً. سيغادر المراقبون كذلك بعد تسليم السلطة للجيش الحر أو الحكومة الانتقالية، سيخرج الجميع كجزء من صفقة يسلم فيها النظام مخزوناته ''المزعومة'' من أسلحة كيميائية في مقابل ضمان خروج آمن ورصيد ضخم له ولحاشيته.
بقي احتمال أخير وهو أن هذه خدعة وأن فكرة الاعتراف بوجود أسلحة كيميائية ما هي إلا فخ أوقع عنان والمجتمع الدولي بشارا فيه ليتم التخلص منه بسرعة. ولنا سابقة في إعلان سفيرة الولايات المتحدة في العراق أن أمريكا لن تتدخل إن حاول صدام أن ينهي مشكلته النفطية مع دولة الكويت، التي انتهت بتدمير الجيش العراقي، ومهدت لاحتلال العراق بعد 13 سنة.