تدمير الممتلكات العامة.. تفسير نفسي وتربوي
بين فينة وأخرى نسمع عن اعتداء يتم ضد جهة أو إدارة حكومية، وخلال الفترة الماضية حدثت مجموعة أحداث بحق إدارات حكومية مارسها أفراد أو مجموعات مجهولة أو معروفة في توجهاتها وهوياتها العامة دون تحديد للأشخاص بشكل دقيق. من الأحداث التي كتبت عنها الصحافة وتحدث عنها الإعلام، الاعتداء الذي حدث في محافظة القطيف، حيث أحرق مجموعة من مثيري الشغب محكمة القطيف، كما تم في المحافظة نفسها الاعتداء على مركز الشرطة، كما تم اقتحام مركز صحي في محافظة وادي الدواسر، وتم تحطيم أثاث المركز، وتكسير الأجهزة، والعبث في محتوياته، وآخر ما قرأت الاعتداء الذي حدث لمركز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الطائف.
تأملت في هذه الأحداث وحاولت تفسير هذه الأحداث من منظور تربوي ونفسي. هناك أربعة مداخل نفسية أولها المفهوم السادي، والمفهوم الماسوشي، ومفهوم الانحراف السايكوباتي، ومفهوم إزاحة العدوان، وذلك بهدف معرفة الأسباب التي تحدو بالبعض إلى الاعتداء على الممتلكات العامة وتدميرها والعبث بها. هذه المفاهيم بعضها له معنى مرضي، والآخر له معنى سوي، فمفهوم إزاحة العدوان مفهوم سوي يمارسه الناس العاديون دون أن يكون له دلالة مرضية، حيث يقدم عليه الفرد، وذلك بتوجيه شحناته العدوانية نحو طرف آخر غير الطرف الذي يراد الانتقام منه، فالموظف الذي يمارس معه مديره سلوكاً غير مرغوب قد لا يتمكن من الرد عليه، لذا قد يوجه شحنته الانفعالية الحادة إلى أبنائه وزوجته إذ قد يعنفهم أو يضربهم، وذلك بهدف تفريغ شحنات الغضب التي أحدثها تصرف المدير معه.
لذا نتساءل: هل من يقدم على تدمير المرافق العامة هو من هذا الصنف؟! أي هل هؤلاء الأفراد أو المجموعات تعرضوا لمواقف ضاغطة من أسرهم أو في أماكن عملهم ما دعاهم إلى مثل هذه التصرفات؟ أما المفاهيم ذات الدلالة المرضية فهي السادية التي يمارس فيها الفرد عنفه على طرف آخر، وبصورة مرضية يفرغ من خلالها الشحنات القوية التي توجد لديه، حيث يتلذذ بتعذيب طرف آخر، ويستمتع بأن يراه يتعذب لكن المرافق العامة في هذه الحالة ليست كائناً حياً حتى يتلذذ بتدميره وتعذيبه إلا إذا اعتبرنا أن المرافق العامة تمثل رمزاً لطرف يرغب الأفراد أو المجموعات التي تعتدي على الممتلكات العامة الانتقام منه.
يقابل السادية مفهوم الماسوشية، الذي يلجأ الفرد فيه إلى تعذيب ذاته بصورة يتلذذ فيها بهذا التعذيب، لكن كيف تكون المرافق العامة مرادفة للذات؟ وهذا يمكن فهمه إذا أدركنا أن المرافق العامة جزء من الذات لأنها وجدت لخدمة الفرد مهما كان هذا الفرد، وهذا هو ما يجب أن يكون، فالشرطة والمحكمة مؤسسات وجدت لخدمة الأفراد في أمنهم وفي ممتلكاتهم وفي أحوالهم الشخصية، لذا من يقدم على مثل هذه الممارسات يعذب ذاته في نهاية المطاف.
أما مفهوم الانحراف السيكوباتي فهو مفهوم مرضي يعانيه بعض الأفراد حيث يلجأ البعض إلى الخروج على القانون، ومواجهة القيم، والثقافة العامة كالسرقة، والاعتداء على المرافق العامة، والاغتصاب. إن هذه الأحداث المتمثلة في الاعتداء على الممتلكات العامة وتدمير محتوياتها يمكن تفسيرها من خلال أي من هذه المفاهيم ووعينا بهذه المفاهيم يساعدنا على معرفة ومواجهة مثل هذه الأحداث. لكن التفسير وحده لا يكفي، إذ لا بد أن يكون للتربية دور في معالجة هذه المشكلات السلوكية الشاذة التي تحرم أبناء الوطن من الاستفادة من هذه المرافق التي وجدت خدمة للناس، فتدمير المحكمة إضاعة لحقوق الناس وممتلكاتهم الموثقة، وتدمير المركز الصحي يحرم الناس من الخدمة الطبية، وهذا ينسحب على بقية المرافق الأخرى التي قد تتعرض للتدمير.