رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مواسم بدون تخطيط

الإمساك عن الطعام والشراب في شهر رمضان نحو 15 ساعة في اليوم يعني افتراضا انخفاض إنفاق الأسر على الطعام والشراب. لكن الواقع خلاف ذلك. سطوة التقاليد والدعايات أقوى من العقول.
رمضان وعيد الفطر لعامنا هذا (وعامين أو ثلاثة أعوام قادمة) في عز الصيف. والعودة إلى المدارس عما قريب، وهي عودة تحمل مزيد عبء إنفاقي على الناس. والمواسم الثلاثة في الربع الثالث، فاجتمع عاملان متضادان عامل مثبط للاقتصاد وعامل منشط.
وإجمالا، صورة الموسمية في الاقتصاد السعودي واضحة. وقد أكد تقرير حديث لجدوى للاستثمار أن النمطية الموسمية في الاقتصاد السعودي أكثر وضوحاً من معظم الاقتصادات العالمية الأخرى. ولكنها موسمية غير مستقرة. والسبب أن العام الهجري أقصر من الميلادي بنحو 11 يوما.
ومن المعروف أن البيانات الاقتصادية كالناتج المحلي وميزانيات الشركات تبنى على التاريخ الميلادي. وفصل الصيف في الربع الثالث من العام الميلادي. في هذا الفصل، يتباطأ النشاط الاقتصادي، حيث يشتد الحر، ويكثر المجازون والمسافرون ويقل النشاط في الشركات المعتمدة على النشاط الميداني. واستطرادا في هذا، من المتوقع أن تكون الأرباح التشغيلية الفصلية للشركات في أدنى مستوياتها خلال الربع الثالث. الحديث عن الاتجاه العام، وليس عن كل الشركات. فشركات كالكهرباء تزيد أرباحها في الصيف.
والموسمية للناس تعني مناسبات تتطلب مزيد إنفاق. ولكن كثيرا من الناس واقعون تحت ظروف معيشية صعبة، بسبب ارتفاع الأسعار، مقرونة بسطوة تقاليد وافتقاد تخطيط وحسن تدبير. ونحن قوم ما تعودنا على هذا.
أسلوب تقنين المصروفات أمر مطلوب أن نتعود عليه، خاصة لأكثر الناس، الذين رزقهم الله سبحانه دخلا يغنيهم عن مد اليد إلى الخلق. والتقنين تخطيط ورقي. مطلوب ورقة إلكترونية أو تقليدية تسجل فيها أوليات ومقادير الإنفاق، مع التقيد بذلك في كل مراحل التخطيط والتنفيذ. يسمي البعض هذه العملية فن إدارة الراتب. ويسميها آخرون التخطيط الأسري الاقتصادي.
أما المقولة المشهورة ''اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب''، فمقولة مضللة، تشبه قول من يقول ''لا تعقلها وتوكل''. مقولة لا تتفق مع العقل، ولا النقل. ولم تكن أساس مشورة يوسف -عليه السلام- لملك مصر.
وأجدها فرصة للنقل عن ابن كثير -رحمه الله تعالى، في تفسيره تلك المشورة.
قال: (قال سبحانه ''قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)''.
أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين لأنها تثير الأرض التي تشتغل منها الثمرات والزروع وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين فقال: ''فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون''، أي مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فادخروه في سنبله ليكون أبقى له، وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات وهن البقرات العجاف اللاتي تأكلن السمان، لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال ''يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون'' ثم بشرهم بأنه بعد الجدب المتوالي سيعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه وسكر ونحوه حتى قال بعضهم : يدخل فيه حلب اللبن أيضا) انتهى كلامه رحمه الله.
تقبل الله الصيام والقيام، ورفع الكرب عن المكروبين، ورزقنا وإياكم من واسع فضله، وحسن التدبير والتخطيط، وكل عيد وأنتم بخير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي