رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية

أسست دراسة قدمتها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في العام 1407هـ لمجموعة من القرارات وتعديل في أولويات الخطط الخمسية، وتسببت في استنزاف أموال الدولة ومياه المملكة الجوفية. هذه الدراسة خلصت إلى أن المياه الجوفية المخزونة تحت الأرض تكفي لمدة تزيد على 325 سنة من الاستغلال الطبيعي. ذكر وقتها أن هذا يعادل صرف مياه النيل لمدة 500 سنة. هذه الدراسة – الأسطورة – جعلت الدولة تعمل على دعم الإنتاج الزراعي وجعله أولوية في تخطيط مصادر الدخل والاستقلال الاقتصادي.
اكتشفنا بعد ذلك بسنين أن المملكة هي في الواقع أفقر دولة في العالم بالنسبة للمصادر المائية، بل وإن مشاريع الزراعة التي دعمتها الدولة استهلكت بشكل غير مسبوق المياه الجوفية غير المتجددة. اكتشفنا كذلك أن تلك الدراسة كانت مبالغة في التفاؤل، حيث بلغ المخزون المؤكد لجميع المخازن المائية الجوفية الرئيسة بناء على دراسات مولتها وزارة الزراعة والمياه في العام 1399هـ 258 مليار متر مكعب، بينما قدرتها دراسة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بـ 36 ألف مليار متر مكعب، وهو يعادل 140 ضعف تقديرات الشركات الاستشارية التي أجرت دراسات وزارة الزراعة والمياه، علما بأن تقديرات جامعة الملك فهد للبترول والمعادن أجريت عام 1407هـ وتقديرات وزارة الزراعة والمياه تسبق عام 1399هـ. ويفترض أن تقديرات وزارة الزراعة والمياه قد قلّت بعد ثمانية أعوام من الاستهلاك، بسبب التنمية الزراعية التي حصلت في تلك الفترة.
هذا التوجه استمر حاكما برغم قناعة جميع القطاعات بأن الدولة ليست زراعية وأنها يجب أن تعيد توجيه الخطط لدعم مصادر دخل أكثر ملاءمة لظروف وإمكانات المملكة. دعمت المملكة مشاريع الأمن الغذائي التي نفذها رجال أعمال سعوديون خارج المملكة في المناطق التي تتوافر فيها مصادر مياه متجددة كإفريقيا وشرق آسيا، من خلال مبادرة خادم الحرمين الشريفين للاستثمار الزراعي في الخارج، التي تحتاج لدراسة هي الأخرى، وإعادة تقييم للتأكد من أنها تسير في المسار الصحيح، خصوصا أنه صرف عليها مبالغ كبيرة تتجاوز الـ 20 مليار ريال على شكل قروض حكومية ميسرة.
الحاصل أن توجه الحد من الدعم الكبير للاستثمار في القطاع الزراعي، الذي كان للكثير من الاقتصاديين والمحللين ملاحظات عليه في نواحي التقصي والمتابعة والتأكد من عقلانية المبالغ، والرقابة على المصروف في هذا المجال الذي تجاوز حجم قروضه الحكومية 43 مليار ريال. الحد من دعم الاستثمار الزراعي، أصبح من أولويات الخطط الخمسية بعد الخطة الخمسية السابعة للدولة.
عندما تعاد صياغة الخطط والأولويات فإن هذا يعني تعديل الإجراءات والضوابط على جميع القطاعات التي تتأثر بهذه التعديلات. هذا لم يحدث في هذه الحالة، بل استمر تعقيد تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية، في الجهات ذات العلاقة ومن أهمها وزارة الزراعة والبلديات. تحتاج مجموعة الإجراءات المعقدة، التي تستلزم الحصول على موافقات من جهات عديدة إلى إلغاء أو تعديل على الأقل.
تتطلب عملية التحويل هذه وقتا يتجاوز العام، بسبب البيروقراطية الموجودة أصلا، وزيادة عدد الجهات التي يجب الحصول على موافقات منها. فحتى وزارة الزراعة لم تعد كافية، فلا بد من الحصول على موافقة وزارة المياه وهذا يضيف إلى الوقت المهدر في المراجعات لمختلف الجهات.
يدعم قرار تسهيل تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية مجموعة من المعطيات الجديدة والأولويات التي حددتها الدولة لخططها، التي من أهمها التوجه نحو تيسير تملك المواطنين للمساكن. إن أكبر مشكلة تواجه وزارة الإسكان والجهات المسؤولة عن دعم تملك المواطنين للمساكن هو شح الأراضي المخصصة لأغراض الإسكان. تعمل البلديات على توفير الأراضي التي يمكن أن تستخدمها الوزارة لبناء المساكن، إلا أن المتوافر منها محدود. كما تحاول بلديات أخرى أن تعوق عمليات التحويل هذه بحجج مختلفة، لكن أغربها كان الاعتماد على تقرير لهيئة الأرصاد يؤكد تعرض الكثير من المناطق في المملكة للجفاف، وهو ما سيستنزف المزيد من المياه الجوفية إن أصرت هذه البلديات على إعاقة تحويل الأراضي في المناطق المعرضة للجفاف إلى سكنية.
توجه كبار الملاك في القطاع العقاري نحو الاستحواذ على الأراضي والسيطرة على أسعارها، وعدم مساهمتهم في تنفيذ هذه الخطط بشكل منطقي وعقلاني، يدفع نحو إلغاء العوائق الروتينية التي تعطل أو تمنع تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية، وتسريع إجراءات اعتماد المخططات السكنية في الجهات الرسمية، وعدم إلزام المطورين بإجراءات ومتطلبات يفترض أنها من مسؤولية البلديات، خصوصا بالنسبة للأراضي الواقعة ضمن النطاق العمراني منذ أكثر من 30 سنة.
إن النمو السكاني الكبير والحاجة المتزايدة لتوفير مساكن في مختلف مناطق المملكة، إضافة إلى تكاليف الزراعة المتنامية اقتصاديا ومائيا، وعدم توازن المعروض من الأراضي السكنية مع الطلب العالي، وعدم تعاون كبار ملاك العقارات في لجم زيادة الأسعار الفاحشة، وعدم وجود تسعير معقول للأراضي من قبل الجهات التنظيمية والتنفيذية. إضافة إلى عدم وجود دوافع تشجع زيادة المعروض في السوق كفرض الرسوم على الأراضي البيضاء مهما كانت مدة تملكها، وأسباب أخرى تستدعي تغيير الإجراءات المطلوبة لتحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية، بما يحقق المرونة وسرعة الإنجاز، بل وتشجيع الراغبين في تحويل أراضيهم إلى سكنية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي