سوق إسلامية مشتركة أساس لتوحيد الأمة

مؤتمر قمة التضامن الإسلامي الذي انعقد في مكة المكرمة بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله واستجاب له قادة الدول الإسلامية يجلي بكل وضوح دور السعودية في جمع الأمة ورأب الصدع والارتفاع فوق الجراحات والخلافات والتأسيس لكود أخلاقي يكون بمثابة إطار يرتقي بالعلاقة بين الدول الإسلامية. والتوجه السعودي في خلق الظروف المواتية لتقوية العلاقات والتفاهم ينطلق من فكرة الحوار كأساس لاجتماع الأمة والبحث عن المشترك وتحديد الأولويات وتحقيق المصالح العليا، وليس النظرة الضيقة لكل دولة. ونهج الحوار يعكس مدى التحضر والتسامح والتعقل والحكمة في إدارة الاختلاف، والسعودية بقيادة الملك عبد الله تمتلك رصيدا وخبرة وتجربة رائدة سواء على الصعيد الوطني أو العالمي في التأسيس لنهج الحوار والتوافق على المشترك. الإشكالية أن بعض الدول الإسلامية مثل إيران ومن يدور في فلكها لا تستطيع استيعاب فكرة الحوار والبحث عن حلول مربحة لجميع الأطراف فهي عدائية المنهج وتسعى إلى فرض أجندتها وتأزيم الأوضاع والعمل على تصدير ثورتها وإثارة الفتنة وتأليب الشعوب على حكوماتها الشرعية، وهذا أمر يصيب مشروع الوحدة الإسلامية والحوار في مقتل. ولذا كان من الأجدر أن أصدرت القمة ''ميثاق الإخوة الإسلامية'' يجرم تعد الدول الإسلامية على بعضها بعضا سواء كان ذلك سرا أو جهرا، كما فعلت إيران في البحرين وما تفعله في سورية وما تحيكه من مؤامرات وتسعى إليه في شرق السعودية. والتدخل الإيراني في شؤون الغير عدائي وإرهابي لا يأتي عبر علاقات رسمية، ومن خلال معاهدات واتفاقيات مع الدول الأخرى بهدف تعزيز الاستقرار والتبادل التجاري وتحقيق التنمية، ولكن فرض الوصاية على الغير وتحريك أذنابها والخونة في المنطقة من أجل أهداف شريرة تزعزع الأمن وتعرقل جهود التنمية وتقوم بأعمال إجرامية لا ترعى بالمؤمنين إلا ولا ذمة. وما جرى لأهل السنة والشيعة العرب في العراق من عبث إيراني صفوي وقتل على الهوية بتواطؤ مع الولايات المتحدة أمر واضح وضوح الشمس في رائعة النهار ولا يحتاج إلى مزيد نقاش ودليل. وستستمر إيران بأعمالها العدائية لأنها لا ترى المصالح المشتركة والبحث عن صيغ للتوافق وإنما تبني علاقاتها في فرض فلسفتها المذهبية الصفوية خاصة مع دول الجوار، وهي فلسفة مبنية على المظلومية وإثارة الأحقاد والكراهية وبث الفرقة بين أبناء الأمة. وهذا بلا شك يقف حجر عثرة في تحقيق الوحدة الإسلامية وتنقية الأجواء التي يسعى العاهل السعودي الملك عبد الله جاهدا في تحقيقها إيمانا منه وحرصا على وحدة الصف الإسلامي والتمسك بحبل الله إخوانا. ولكن إيران تحتاج إلى من يؤدبها ويعيدها للصف الإسلامي وإلزامها بإجماع الأمة، وهذا لا يتأتى إلا من خلال بعث رسالة قوية وواضحة أن جميع الدول الإسلامية ترفض لهجة التصعيد والعداء الإيرانية وما تفعله من تنكيل وتعذيب لمن يخالفونها المذهب من مواطنيها في الأحواز والتدخل في شؤون دول الجوار وإثارة الفتن والقلاقل والمشاركة في جرائم الحرب للنظام السوري ضد الأبرياء من المسلمين. وقد يكون فرض عقوبات اقتصادية وعزلتها سياسيا من قبل جميع الدول الإسلامية هي اللغة الوحيدة التي يفهمها من يديرون دفة الحكم في إيران من المعممين الذين تخلوا عن خلق الإسلام العظيم في التحاب في الله واحترام الجوار وحرمة دم المسلم. الحل الوحيد وقفة جماعية حازمة للدول الإسلامية ضد العداء والإجرام الإيراني لإيقافها عند حدها وتماديها في أعمالها الإرهابية على المسلمين.
الوقفة الجماعية للدول الإسلامية تتطلب عقدا قويا من المصالح الاقتصادية المشتركة يفضي إلى ترابط سياسي لا تنفك عراه. البلدان الإسلامية تمتلك الكثير من المقدرات الطبيعية والإمكانات البشرية ولديها من الخبرات والقيادات التي تستطيع أن تضع استراتيجية طويلة المدى ومنظومة متماسكة تحقق القوة الاقتصادية للأمة. لا يكفي أن يكون هناك علاقات ثنائية بين الدول الإسلامية لمصالح آنية وقتية، وإنما يلزم توظيف المصالح الاقتصادية المشتركة برؤية واسعة وشاملة وبنظرة تكاملية تؤدي إلى خلق شبكة من تبادل المنافع والاعتمادية في الاقتصاد والصناعة لجميع الدول الإسلامية دون استثناء. هذه الاعتمادية الاقتصادية هي حجر الزاوية في الوحدة الإسلامية لأن كل دولة ترى مصلحتها في التكامل الاقتصادي وسيكون من المكلف التخلف عن هذا التجمع الاقتصادي. من خلال هذا الإطار للمنافع الاقتصادية المشتركة تتأسس العلاقة السياسية على الاحترام المتبادل وتكون أكثر نضجا وحكمة ويمكن من خلالها رؤية المشترك على أرض الواقع في سلة من المنافع، أهمها توفير العمل وإنتاج سلع وخدمات بأسعار منافسة وإعادة الاستثمار داخل منظومة الدول الإسلامية. بهذا التجمع الاقتصادي لا يكون هناك مجال للعداء لأنه سيكون مكلفا اقتصاديا ومن ثم سياسيا وسيكون من الغباء السياسي والبلادة الاقتصادية أن تستمر دولة مثل إيران في ارتكاب حماقاتها ونفث أحقادها ولعب دور الشرير. خلق نمط جديد من العلاقات الاقتصادية والسياسية في تعزيز المشترك سيفضح السلوكيات النشاز وسيضع دولة مارقة مثل إيران تحت الضوء وسيسهل انتقادها وإظهار نواياها الخبيثة وأنها تبغي في الأرض فسادا.
السوق الإسلامية المشتركة ليست بدعا فالتكتلات الاقتصادية في الشرق والغرب وهي تكتلات أملتها التغيرات العالمية أو ما يعرف بالعولمة، حيث أصبحت جميع دول العالم مرتبطة ببعضها ولم يعد بمقدور دولة واحدة مواجهة هذه التغيرات منفردة أو أن تكون في منأى من هذه التغيرات. والدول الإسلامية بما تمتلكه من مشترك الدين والموارد الاقتصادية لديها القدرة على تحقيق وحدة اقتصادية تسهم في مواجهة التحديات وتبعث في الأمة الأمل من جديد في ارتقاء سلم الحضارة العالمية والإسهام مرة أخرى في صناعة التاريخ الإنساني والمشاركة في تحقيق السلم العالمي. لكن المصيبة في أن دولة مثل إيران محسوبة على الإسلام تقدم صورة مشوهة للإسلام والمسلمين بتصرفاتها الحمقى وهي تسيء لجميع المسلمين حين تؤلب الأعداء وتستثيرهم بنعيق إعلامي وكلام لا تتبعه أفعال ليمنحهم الحجة للتوحد ضد المسلمين وضرب مصالح الأمة الاقتصادية والسياسية وإضعاف نشر الدعوة الإسلامية. لقد أصبح لزاما على الأمة التفكير بعمل جماعي أساسه ميثاق مبني على قيم الإسلام العظيمة والمصالح الاقتصادية وقوة تعزز الإجماع وتلفظ من يخرج عن الصف وتحرمه من دخول نادي الأمة الاقتصادي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي