«راحوا الطيبين»
عبارة "راحوا الطيبين" يتداولها الكثيرون هذه الأيام من باب التندر، وهي تتنقل عبر أجهزة البلاك بيري ومن خلال الواتس أب مرتبطة ببعض النماذج التي لا تخلو من مفارقات طريفة.
لكن واقع الحال يؤكد أن هناك افتقادا للناس الطيبين فعلا، الناس الذين كنت تشاهدهم في المسجد في زمن مضى، كانت طيبتهم تشيع في المكان طمأنينة وسكينة. لم يكن شيبان المسجد في الزمن الماضي يهتمون كثيرا بالتفاصيل التي لا تعنيهم. كان جلّ اهتمامهم يتركز في اللطف واللين، في النظرة التي تمتاز بالقناعة وفي تراجع نزعات الحسد والحقد.
لا يمكن تفسير سلوك هؤلاء الطيبين، من خلال منطق المصالح التي تسود مجتمعات اليوم، كانوا فقراء مقارنة بمقاييس العصر الحالي، لكن نفوسهم الغنية كانت تزيدهم رفعة وسموا ومكانة. هؤلاء المنسيون، ليسوا من سكان الحكايا والأساطير. هناك أجيال تتذكرهم، تستحضر صورهم، يترحمون عليهم. بعضهم عاصر الطفرة، وبعضهم رحل قبلها، لكن حتى من بقي منهم إلى وقتنا هذا يبدو نموذجا فريدا، مختلفا، يتحلى بالأخلاق والرؤى نفسها التي كانت تميز شيبان المسجد.
حاليا عندما تدلف إلى هذا المسجد أو ذاك، ترى عددا محدودا منهم، وترى من حولهم أبناء بررة، لكنك أنى التفت يمينا أو شمالا فإنك تجد وجوها أخرى يغلب عليها الضجر والسأم وعدم الرضا وغياب القناعة. هؤلاء يدلفون للمسجد مستعجلين، ويمضون مستعجلين، ويقودون سياراتهم بسرعة شديدة. هم لا يبحثون عن شيء ولا ينتظرون شيئا، لكنهم يظهرون وكأن روحا غير سوية قد تلبستهم، فأصبحوا أجسادا تمشي على الأرض وتستوطنها الهموم رغم الغنى والثراء والشبع.