مؤسسات الطوافة.. عنوان الوطن

بعث لي قارئ كريم رسالة طويلة تحتوي على معلومات مؤلمة عن حال بعض مؤسسات ومكاتب الطوافة، وأساليب تعاملها مع المطوفين. وبحكم عدم تخصصي فقد توجهت لصديق من أهل أم القرى لعله يفيدني بحكم اتصاله بعدد كبير من أبناء مكة والمطوفين بالذات. أكد لي صديقي صحة المعلومات بصفة نسبية عند تطبيقها على مؤسسات دون أخرى، ولكون المعلومات لا تتعرض لشخص بعينه، اعتبرتها محاولة لإصلاح الوضع القائم. أعرضها هنا دون أن أتدخل في تفسير أي جزء من هذه الرسالة (الشكوى).
مؤسسات الطوافة هي أكثر المنظومات التي يتعامل معها زوار بيت الله ومسجد رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ تأثيرا على سمعة المملكة سلبا أو إيجابا. يجب أن يهتم المسؤولون بوضع المؤسسات والتأكد من مساهمتها في تحقيق أهداف الدولة التي تنفق آلاف المليارات لخدمة حجاج وعمار بيت الله الحرام. لا يمكن السماح لأي مؤسسة أو منظومة مهما كانت مهمتها أن تسيء لسمعة الوطن من خلال تدني الخدمات أو رداءة الأداء أو الإهمال.
ساءني ــــ وأنا أحضِّر لكتابة المقال ـــــ أن أقرأ خبر قيام المملكة بدفع أكثر من 13 مليون ريال تعويضات لحجاج باكستان بعد شكوى قدمها وزير الشؤون الإسلامية الباكستاني، بسبب صعوبات واجهها حجاج يتبعون خمسة مكاتب في السكن في منى. لكنه شجعني أن أكتب في الموضوع.
كان لدي انطباع أن مؤسسات الطوافة هي عبارة عن كيان موحد لا يختلف في تنظيمه أو خدماته أو أسلوب إدارته. لكن القارئ الكريم كشف لي عدم وجود لائحة تنظيمية داخلية موحدة لهذه المؤسسات مكتوبة ومعلنة. هذا أدى إلى الارتجالية والانفراد باتخاذ القرار من قبل البعض، كاختيار رؤساء المكاتب التنفيذية بناء على العلاقات الشخصية أو القرابة لعدم وجود ما ينظم الاختيار أو الترشيح أو التصويت على أمور مثل هذه. يواجه المطوفون ــــ بحسب القارئ ـــ إشكالية صدور قرارات مفاجئة لم يكونوا يتوقعونها ولم تسبق دراستها، يعلمون عنها من خلال وسائل الإعلام، انعدام الشفافية في مجال حساس يهم سمعة الوطن بأكمله ضار على الأداء بشكل عام. سريةٌ أوجدت مجموعات تصنع القرارات بعيدا عن أعين المطوفين، ما يؤدي إلى قيام مسؤولي بعض المؤسسات بإقصاء من يختلف معهم في الرأي، خصوصا أن التصويت في الجمعيات العمومية علني ويمكن أن يطلع عليه جميع أعضاء مجلس الإدارة، هذا أدى إلى تخوف الأعضاء من نتيجة تصويتهم وإلى عزوفهم عن حضور الجمعيات العمومية في دورتها الأولى، اقترح صديقي أن يكون التصويت سريا، ولا يلزم أن يكون حتى حضوريا بحكم توافر الآليات التي تضمن وصول عضو الجمعية العمومية للموقع من خلال الشبكة العنكبوتية والتصويت.
تحدثت الرسالة عن دور المرأة في مؤسسات الطوافة وأنها مدعومة كلاميا فقط، فهي ممنوعة من الحضور الشخصي لاجتماعات الجمعيات العمومية ولا يوجد قسم نسائي لخدمة المطوفات وإنجاز متطلباتهن، وتم الالتفاف على ذلك من خلال تكوين لجان نسائية تطوعية لا يمكن أن تشارك فيها المطوفات لحصولهن على مقابل لخدماتهن.
تأتي طريقة تنفيذ المنافسات على مواقع أراضي المؤسسات بين المكاتب التي تصل إلى مبالغ بعشرات الملايين لتزيد الوضع سوءا، تترجم المكاتب هذه المبالغ إلى زيادة في أسعار الخدمات وإيجارات الخيام، والمتضرر النهائي هو الحاج الذي يضطر للدفع مقابل التنافس المحموم بين المكاتب. وفي السياق نفسه يبرز موضوع حراسات المخيمات التي تتولاها مؤسسات الطوافة. تقوم بعض المؤسسات باستضافة أشخاص في مواقع تخص حجاج آخرين، ما يتسبب في تكدس الحجاج والتجاوز على حقهم المشروع من مساحات الخيام، حيث تخصص (خيمة لشخص أو شخصين من ضيوف المجاملات، ويسكن ما يصل إلى 18 حاجا في خيمة واحدة)، ومعلوم ضرر هذا على أمن وسلامة الحجيج.
اختصرت هنا بعض معاناة هذا المطوف وزملائه، التي نتج عنها معاناة للحاج، لأن الضبابية وعدم وجود المصداقية في التعامل تجعل النتائج سلبية ــــ بالضرورة. هذه الصورة القاتمة ليست منتشرة في جميع مؤسسات الطوافة. لهذا دعا كاتب الرسالة إلى توحيد اللوائح والأنظمة باستخدام أفضل الممارسات Best Practice. هناك مؤسسات نموذجية يمكن الإفادة من أنظمتها ولوائحها وتعميمها على جميع مؤسسات الطوافة، خصوصا أن الجميع يعملون في المجال نفسه وفي الدولة نفسها وفي المدينة نفسها أيضا. يجب عمل دراسة علمية لخصخصة القطاع بمنظور حديث ومنطقي يتجاوز إشكاليات البيروقراطية التي أفشلت بعض برامج التخصيص الأخرى.
يجب أن تطال التعديلات المهمة مصاريف يلاحظها الجميع وذكرها القارئ في رسالته، ومنها الإعلانات باهظة التكاليف دون هدف مربوط بالخدمة المقدمة، ومن ضمن ما ذكره أيضا إشكالية يقع فيها بعض الإعلاميين التي تؤثر على مهنيتهم وحكمهم من خلال استضافتهم والصرف عليهم ببذخ ومعاملتهم معاملة (سبعة نجوم) حسب ما ذكر. وهذا أمر لم أحظ به وبعد هذا المقال ضمنت أنني لن أحظى به، ولله الحمد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي