شركة أبو عنتر في أمريكا: نصب واحتيال محاسبي (2)
بدأت في المقال السابق في سرد قصة ''عيدي عنتر'' ذلك ''الفتوّة'' الأمريكي من أصول سورية الذي استطاع وبطريقته العنترية الخاصة إنشاء شركة ذات سمعة جيدة في عالم تسويق المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية سماها Crazy Eddie، كما استطاع إدراجها في سوق الأوراق المالية والحصول على تمويل من المصارف لتتكشف بعد ذلك قضية احتيال محاسبية واسعة وتضليل المساهمين والرأي العام. وقبل أن أستكمل رواية القصة وإجابة عدد من الاستفسارات التي وردتني عنها، وهل أنا أقصد شركة معينة في السوق السعودية أو بعض الجهات ذات العلاقة؟ فإنني أود التأكيد أن هذه القصة حقيقية وليست من نسج خيالي وحصلت في الولايات المتحدة، ولذلك فليس هناك أي شركة أو مؤسسة سعودية مقصودة بهذا المقال، وأن أي تطابق أو تشابه يعتقده البعض يعنيه أو شركته فهو مجرد صدفة. كما أن في الولايات المتحدة هيئة تشرف على الأوراق المالية وتبادلها SEC وهي مهتمة جدا بمصداقية الشركات ومستويات الإفصاح وأي تضليل للرأي العام أو تزوير فإن واجبات هذه الهيئة أن تقوم فورا بفتح تحقيق تستدعي فيه كل الأطراف ويطول الجميع حتى مراجعي الحسابات، كما يتدخل مجلس الشيوخ في أحيان عدة ويمثل الرأي العام ويقاضي الشركات التي تسببت في إهدار أموال الناس، كما لا يجوز أن يكون هناك تمييز بين المصارف وبقية الدائنين، فلا يحق لها استرداد ديونها فقط وبأي طريقة حتى لو كان من خلال عملية وهمية لزيادة رأس مال الشركات، ومن ثم استخدام مبالغ الاكتتاب في تسديد المصرف. فكل تلك التحقيقات والضمانات للسوق والمساهمين وإعلانها للناس لا تحدث لدينا، لذلك فإن هذه القصة وأي قصة أخرى سأقدمها ومن دول عدة في العالم لا تمت لواقعنا الاقتصاد السعودي أو سوق الأسهم وشركاته المدرجة بأي صلة.
وبالعودة للقصة فإن السؤال الأخير الذي وضعته في المقال السابق ولم أجب عليه بعد: كيف استطاع ''أبو عنتر'' هذا أن يضلل السوق المالية ويتلاعب في القوائم المالية، وأين كان مراجع الحسابات الخارجي؟ مع بدء مسلسل انهيار سهم الشركة واستقالة معظم التنفيذيين الذين عينهم أبو عنتر بحكم قرابتهم له فقط وليس لخبراتهم، ثم استقالته نفسه من منصب الرئيس التنفيذي للشركة، فقد وضع مجموعة من المستثمرين أيديهم على الشركة وبهذا بدأت الأمور تتكشف بسرعة، فقد كان هناك عجز ضخم في المخزون بلغ أكثر من 65 مليون دولار، كما تبين لهم أن الشركة غير قادرة فعليا على خلق الأرباح، ولذلك قررت الإدارة الجديدة للشركة طلب الحماية من الدائنين وإعلان الإفلاس. ووفقا للتحقيق الذي قادته هيئة الأوراق المالية SEC تبين أن ''أبو عنتر'' وبعد أن أصبحت الشركات مدرجة في سوق الأسهم كان يقاتل من أجل ضمان سعر مرتفع لسهم الشركة، لذلك فقد عمل على تضخم المخزون بقيمة مليوني دولار كل فترة، وهذا طبعا سيسهم في تضخيم الأرباح الإجمالية بالقيمة نفسها، وفي الفترة التي تلتها قام بتضخيم قيمة المخزون بأكثر من تسعة ملايين دولار وفي الوقت نفسه تخفيض الدائنين بقيمة ثلاثة ملايين دولار. وكان تضخيم المخزون يتم بإضافة سجلات لأصناف وأعداد من المنتجات غير موجودة فعلا ويتم تخفيض الدائنين بتزوير فواتير سداد من الموردين. كما كانت الشركة تقوم بتسجيل المخزون الخاص بالشركات الأخرى (الوكالة) كمخزون لها. وكان يقوم بتسجيل العمليات بين المستودعات كمبيعات، فإذا تم نقل بضاعة من المتجر (أ) إلى المتجر (ب) أو من المستودعات الرئيسة إلى أحد هذه المتاجر تم حسابها بقيمة البيع وهذا يسهم في أمرين معا: تضخيم المبيعات، وتضخيم المخزون.
عند البحث عن الإجابة للسؤال المهم: أين كان مراجع الحسابات الخارجي؟ فقد تبين أن مراجع الحسابات الذي تم تعينه بعد تحول الشركة إلى مساهمة عامة هو أكثر المتورطين في القضية، فقد عمل هذا المراجع على تخفيض أتعاب المراجعة بشكل جوهري عند تقديم العطاء للمنافسة على مراجعة الشركة، وهي ظاهرة تسمى بـ Lowbolling. وقد كان يفعل ذلك لعدة أسباب: الأول أن هذا المكتب كان مصرا على الظهور في السوق كمتخصص في مراجعة شركات صناعة الإلكترونيات وتسويقها وأن خبرته تمكنه من تقديم سعر منافس، الأمر الثاني أن هذا المراجع كان يقوم بتعويض الفروق في الأتعاب من خلال تقديم خدمات أخرى للعملاء، وخاصة خدمات الاستشارات المالية وهو الوتر الذي اكتشفه عيدي عنتر وقام باللعب عليه كثيرا مع المراجع لتضليله عن التلاعب في المخزون والرواتب غير الحقيقية التي تصرف لعائلة ''أبو عنتر'' دون عمل في مقابلها. فبينما كان المراجع يتقاضى فقط 85 ألف دولار لمراجعة حسابات شركة لديها مستودعات بالملايين وموزعة في الولايات المتحدة، فقد تقاضى وفي الوقت نفسه أكثر من مليون دولار لتطوير نظام جرد المخازن إلكترونيا، والعجيب أن ''أبو عنتر'' أمر الموظفين بعدم استخدام هذه النظام والبقاء على النظام اليدوي ومع ذلك لم يتعرض المراجع. كما اكتشف المحققون أن معظم المحاسبين الذين يعملون في شركة عيدي عنتر كانوا في الأصل مراجعين يعملون لدى مراجع الحسابات الخارجي، فكلما اكتشف أحدهم اللعبة تم إغراؤه ليدخل فيها برواتب مجزية، وهكذا تم شراء الذمم والكل يعد نفسه بالجنة.
ومع وجود محاسبين في الشركة كانوا يعملون لدى مراجع الحسابات الخارجي ساعد شركة ''أبو عنتر'' من اكتشاف إجراءات عمل المراجعين، وهذا مكن الشركة من نقل بضائع إلى المستودعات التي سيتم جردها، وبذلك فلن يتم اكتشاف التلاعب، كما تمت من خلال الصداقات بين المحاسبين وزملائهم المراجعين بتصديق جميع الفواتير المزورة.
وهكذا في عام 1989 قدمت الشركة طلب إعلان الإفلاس والحماية من الدائنين، وفي السنة التي تلتها تم تصفية الشركة، وفي عام 1990 اكتشف القاضي أن ''أبو عنتر'' قام بتحويل أكثر من 52 مليون دولار إلى حسابات أجنبية، وتم إجباره على إعادتها ليهرب عيدي عنتر ولم يتم العثور عليه حتى عام 1992 عندما قبضت عليه الشرطة الإسرائيلية في تل أبيب تحت اسم ديفيد يعقوب.