حق المواطن يسلبه الوافد
لم يعد خفيا أن الاقتصاد السعودي يقتات عليه الكثيرون من الأجانب سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات، فالوفرة المالية ونمط الاستهلاك وطبيعة الإنفاق الحكومي وغياب استراتيجية وطنية للصناعة وعدم التقنين المهني جميعها فتحت الباب على مصراعيه لمن هب ودب أن يعمل في اقتصاد يفترض أن يكون من أميز اقتصادات المنطقة. الحديث عن استمتاع الوافدين بوظائف ذات دخول عالية وخدمات حكومية مجانية وانخفاض تكلفة المعيشة، منطلقه وطني وموضوعي وحيادي وخال من العواطف. فمشكلة البطالة سببها الرئيس - كما هو معلوم - وجود ما يقارب ستة ملايين عامل أجنبي. والسر وراء جاذبية سوق العمل السعودي للأجانب هو ضعف المعايير المهنية والرقابة القانونية ما يتيح الفرصة للوافد للعمل دون قيد أو شرط أو متطلب مهني ودون تكلفة تذكر. ولذا تجد السوق وقد غصت بهم حتى بلغ الأمر تفشي البطالة بين الوافدين أنفسهم وهو أمر يدعو للعجب والاستهجان في آن واحد! الوضع في سوق العمل السعودي يمكن وصفه بالمستباح فالأجانب متاحة لهم الفرصة لاقتطاع جزء كبير من الكعكة الاقتصادية الوطنية وتسريبها للخارج. فها هي التحويلات النقدية للخارج بلغت حدا لافتا للنظر لا يمكن إغفاله أو التغافل أو السكوت عنه، فخلال الفترة من 2000م إلى 2010م وحسب إحصائيات صندوق النقد الدولي بلغت 194 مليار دولار. وهذا يعني أن الفاقد الاقتصادي كبير جدا وهو يشكل سببا رئيسا لبطء نمو الاقتصاد وعدم قدرته على التوسع واستيعاب خريجي التعليم العالي.
تكلفة العامل الأجنبي لا تقف عند التحويلات النقدية ومزاحمة المواطنين على الوظائف ولكن الاستفادة المجانية من الخدمات العامة. هذه الخدمات نظريا ومنطقيا خاصة بالمواطنين إذ إن الدولة وهي التي تمثلهم أقامت المشاريع باستخدام الموارد الوطنية وبالتالي واقعيا المواطنون قد اشتركوا في تحمل تكلفتها وهذا ربما كان السبب في عدم وجود ضرائب في السعودية. لكن في حال الوافدين يبرز تساؤل مشروع: كيف لهم أن يستفيدون من تلك الخدمات العامة دون أن يشاركوا في تكاليفها؟ في كل دول العالم تفرض ضريبة دخل على كل عامل أجنبي ليسهم مع مواطني الدولة في دفع تكاليف إنشاء الخدمات العامة ومن ثم الاستفادة منها. أمر آخر ومهم في هذا السياق يتعلق بمستوى المعيشة فعدم فرض ضريبة على العمالة الأجنبية نظير استخدام الخدمات العامة يتم استخدامها بكثافة وبطريقة سلبية ما يؤثر سلبا في عمر المشروع العام. على سبيل المثال الطرق والشوارع تزدحم بالمركبات الصغيرة بجميع أنواعها ما يمثل ضغطا على الطريق وازدحاما مروريا، كما أن الكثير من الأجانب لا يلتزم باشتراطات السلامة ولا صحة البيئة فترى بعض المركبات المتهالكة سيئة المنظر وهي تنفث ملوثاتها على مستخدمي الطريق، هذا إضافة إلى سوء قيادة البعض وربما تعلم القيادة للتو ما يتسبب في الحوادث المرورية.
أما مجانية الخدمات الصحية فهي القاصمة إذ إن في المستشفيات العامة والجامعية بالتحديد لا تكاد ترى مواطنا سواء موظفا أو مراجعا. وإذا ما أراد المواطن المسكين موعدا حدد له بعد شهور إلا إذا توسط له أحد الموظفين الأجانب. هذا واقع وليس من نسج الخيال وما عليك إلا أن تزور أحد تلك المستشفيات وترى بأم عينيك هذا الواقع الأليم. وفي غياب الرقيب يكون هناك استغلال بشع للخدمات الصحية والأدوية والتي تكلف الدولة الأموال الطائلة تم صرفها بكميات كبيرة للأجانب بطريقة يمكن وصفها بالسرقة! هل يعقل أن يبحث مواطن عن سرير لإجراء عملية ويحدد له موعد بعد تسعة أشهر وفي نفس الوقت يتاح موعد لإجراء نفس العملية لوافد في أقل من أسبوع بحكم علاقته مع طبيب من نفس الجنسية! هذه حالة مأساوية مر بها أحد الزملاء من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة قرر بعدها التخلي عن المستشفيات الحكومية لأنه اقتنع بأنها لم تنشأ لمثله! وذهب يبحث عن شركة تأمين صحي لتكون المفاجأة الكبرى في رفض شركات التأمين بيعه بوليصة تأمين بحجة أن الخدمة متاحة للمجموعات وليس الأفراد! ولذا تجد أكثر المستفيدين من الخدمات الطبية سواء الحكومية أو الخاصة هم من الأجانب.
وإذا كان ما سبق لا يعار أي اهتمام وربما فسره البعض بأنه تحامل على الوافدين أو كما يصفهم البعض بضيوف السعودية وهم كذلك بالطريقة التي تقدم لهم الخدمات على طبق من ذهب ودون أدنى تكلفة! كيف نفسر بيع وقود المركبات والمدعوم من الحكومة للأجانب بالسعر المخفض. هذا الدعم حق صريح وخاص بالمواطنين وإلا ما الفرق بين المواطن والأجنبي إذا كانوا يتساوون في المنافع مع أن المواطن عليه واجبات ومسؤوليات وطنية. من المفارقات العجيبة نجدها في التوظيف في الأجهزة الحكومية فالأجنبي يمكن توظيفه في الحال بينما المواطن عليه أن يمر بإجراءات طويلة ولجان عديدة حتى يتم تعيينه. وأقرب مثال تعيين أعضاء هيئة التدريس فقد يكون المواطن معيدا وابتعث إلى جامعة عالمية مرموقة بموافقة مرجعه ومع هذا عند عودته يمكث شهورا ويمر بعدة لجان للتحقق من كفاءته! في المقابل يعين عضو هيئة التدريس الأجنبي والذي ربما تخرج في جامعة أقل مستوى في لحظتها دون مساءلة أو استجواب. هناك جنسيات درست الطب في مدرجات كبيرة وتخرجت ضمن دفعات كبيرة ومع ذلك تم استقدامهم لممارسة مهنة الطب ووقوع بعضهم في أخطاء طبية فادحة بينما يتم تقنين عدد طلاب وطالبات الطب في الجامعات الوطنية بحجة ضبط الجودة التعليمية! ما هذا التناقض الذي يعجز المواطن عن فهمه خاصة أن هناك احتياجا كبيرا للأطباء المواطنين!
هذا وضع غريب عجيب يجب الالتفات إليه خاصة ونحن أمام تحد كبير وطوفان من خريجي التعليم العام والتعليم العالي المؤهلين قادمين من كل حدب وصوب وهم يحملون آمالا وطموحات ولديهم توقعات كبيرة للدراسة والعمل والإنتاج والرفاهية الاجتماعية وربما صدمهم الواقع ووجدوا أن الأجانب يقفون حجر عثرة أمام تحقيق أمنياتهم ويستمتعون فيما يخصهم كمواطنين دون أن يدفعوا تكلفته فيكون ''حق المواطن يسلبه الوافد''.