رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المنظمات غير الحكومية NGOs

تشهد الولايات المتحدة تنافسًا شديدًا بين الرئيس أوباما ومنافسه مت رومني مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية. يعمل كل واحد على البحث عن نقاط القوة التي تمكنه من حصد المزيد من الأصوات. اتفقت التقارير المختلفة على أن المعركة في انتخابات 2012 هي معركة اقتصادية بالدرجة الأولى. فالولايات المتحدة تواجه مشاكل حادة تحتاج معها إلى برنامج رئاسي يضع الاقتصاد في المقدمة. تعاني بسبب هذا التركيز مجموعة من القضايا السياسية التي كانت الولايات المتحدة تضعها كأولويات في أثناء الحملات الانتخابية السابقة.
تؤكد التوقعات أن مشكلة البطالة هي التحدي الأكبر لأوباما، وهو يعطيها أولوية قصوى خلال خطاباته في التجمعات الانتخابية. 7 في المائة هو الرقم السحري الذي لا بد أن تبقى البطالة دونه ليحمي الرئيس نفسه من الخسارة. تذكرت وأنا أقرأ أحد تقارير البطالة ديمقراطيتنا العربية التي تهوِّن الأمر على الرئيس. فلو كانت الانتخابات عربية، لكلف أوباما وزارة العمل بتقديم تقرير يقول إن البطالة أقل من 4 في المائة؛ لأنها الجهة الوحيدة التي يمكن أن تقدم إحصائيات العمل والبطالة وعدد الوظائف.
يبرز في الديمقراطيات العريقة دور الشفافية والإحصاء. تمكن الشفافية جميع العاملين في مختلف القطاعات من الحصول على معلومات دقيقة وغير مفبركة أو متحيزة، بحكم توافر المصادر التي يُرجع لها للتأكد من صدقية ما يرد في مختلف التقارير. تعتمد هذه الدول على الإحصائيات التي لا يمكن حصرها. تسيطر الإحصائيات على حياة المواطن في هذه الدول لدرجة أنه لا يمكن أن يمر يوم دون أن يظهر تقرير إحصائي في مجال أو آخر.
يظهر الدور المهم للمنظمات غير الحكومية في مجال ضمان شفافية ودقة الإحصاءات. ظهرت هذه المنظمات بشكل رسمي بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت أهمها الأمم المتحدة ومنظماتها ــــ التي تعد منظمة مستقلة عن كل الحكومات. وشجعت أغلب دول العالم تأسيس هذه المنظمات، للحصول على المعلومات الدقيقة والمساهمة في تطوير وتحسين الخدمات. عرَّف البروفيسور بيتر ويلت المنظمة غير الحكومية بأنها ''تجمع تطوعي مستقل مكوَّن من مجموعة من الأشخاص يتعاونون بشكل مستمر لتحقيق هدف مشترك لا علاقة له بالوصول لمنصب حكومي أو تحقيق مصلحة مالية أو نشاط غير قانوني''.
انتشرت هذه الجمعيات أو المنظمات لتشمل أغراضًا منها الصدقات والخدمات والمشاركة الفعالة والتجمعات المهنية. تعمل هذه المنظمات على مستوى الحي أو المدينة أو الدولة أو العالم. ساهمت هذه المنظمات في تحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمعات، وتوفير المعلومات لمتخذي القرارات، ودعم مشاركة جميع فئات المجتمع في صنع القرار وحماية المتخصصين في مختلف المجالات وضمان حقوقهم.
يهمني ـــ في هذا المقال ـــ بحث المنظمات المتخصصة التي تقدم معلومات دعم القرارات المتخذة وتوضح الحالة العامة لمختلف مكونات الدولة، وهي المنظمات المهنية أو الاحترافية. تصدر هذه المنظمات معلومات إحصائية في مجالات كثيرة منها: حالة البنى التحتية وكفاءة الخدمات والمؤشرات الاجتماعية من نواحي الدخل والحالة الأسرية والمواليد والزواج والطلاق والوفيات، والتحولات الاجتماعية، كما تصدر بيانات ومؤشرات الاقتصاد فيما يتعلق بالعمل والتضخم والتملك، والصناعة والتجارة والخدمات. تشمل هذه المنظمات تجمعات أصحاب التخصصات المختلفة كالمحامين والأطباء والمعلمين وغيرها.
تعتمد هذه المنظمات على مصادر مختلفة للدخل أهمها الاشتراكات ومبيعات المنتجات، إضافة إلى ما تقدمه الدول من دعم لها كجزء من المسؤولية الاجتماعية للدولة. كما تحصل هذه المنظمات على الدعم من المؤسسات العالمية المتخصصة ومن التبرعات الخاصة والأوقاف. إن دعم وتمويل أنشطة هذه المنظمات يعود بالنفع على المجتمع الذي تخدمه ويساهم في ضمان المصداقية.
تبني هذه المنظمات سمعتها المهنية من خلال ما تقدمه من خدمات ومعلومات، وما تعالجه من قضايا، وما تقترحه من حلول للمشاكل التي تواجهها الدولة والمواطن. كما تعمل هذه المنظمات كجهات استشارية تدعم مراكز القرار في الدولة. إن استقطاب المتخصصين، وتأسيس معاهد ومراكز بحثية في هذه المنظمات، يسمح لها بتقديم المعلومات بشكل دقيق وشفاف.
تعتمد الكثير من دول العالم على المراكز والمعاهد البحثية التي تنشئها المنظمات غير الحكومية كمصدر لمعلومات دعم القرارات. يعمل في هذه المراكز متخصصون متفرغون لتنفيذ مهام البحث والاستقصاء وإعداد التقارير العلمية. يساهم في نجاح هذه المعاهد استقلاليتها عن الحكومات ومجموعات الضغط السياسي والاقتصادي، وهو ما يجعل هذه المعاهد تبذل جهدها في الابتعاد عن كل ما يمكن أن يؤثر في استنتاجاتها وطرق الحل التي تقترحها لمختلف القضايا المطروحة. يبرز في هذا المجال عدد كبير من المعاهد المستقلة من أهمها معهد بروكنقز الذي تحول إلى مرجع تستفيد منه معظم دول العالم، بل تطور ليصبح مركزًا علميًّا لتدريب كبار المسؤولين في المجالات السياسية، وهناك معاهد ومراكز في المجال الاقتصادي، من أهمها معهد آدم سميث ومعهد التجارة الأمريكي والمعهد الأمريكي للبحوث الاقتصادية.
تستدعي سرعة التحولات السياسية والاقتصادية العالمية، العمل على الحصول على أحدث وأدق المعلومات. تبدو القرارات غير مرتبطة بالمشاكل الحقيقية عندما تحاول تقديم حلول لمشاكل غير واضحة. لا بد أن تعمل كل جهة حكومية وكل جمعية ومنظمة وهيئة في المملكة على إيجاد مراكز فكرية تخصصية تقدم المعلومات الدقيقة والشفافة، إذا كانت ترغب في تحقيق تنمية حقيقية ومتوازنة يشعر بها المواطن. هذا يلزم الدولة بدور أكبر في دعم وتشجيع ظهور ونجاح مراكز ومعاهد البحث التي تدرس المشاكل والتحديات بواقعية، وتقدم الحلول العلمية لها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي