رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


السلامُ هو أن أحكم عليك من مكانك، لا من مكاني

..هناك شخصياتٌ استثنائية قرأتُ كتبهم، أو قرأتُ عن سيَرهم، فأتعلم كيف تُبنى الشخصياتُ والأفكارُ والعقائدُ والمبادئُ، خطوة خطوة، حجَرة حجَرة، وكأن الشخصية الإنسانية بناءٌ هندسي لا يكف عن التغيُّر والتبدُّل والتشكُّل حتى يصل لمعمارِهِ الأخير.
انظر إلى هذا الفتى الذي تبقى رائحة طنافسِه وحرير عباءاته ساعات في السكة التي يسلكلها.. هذا الفتى المشرقُ بالجمال والنيافةِ والتيْهِ يسحب ذيلَ ثوبه النفيس ويدوس عليه فيتمزق ولا ينحني ليخلصه من حذائه تيهاً وصلافة وأناقة، هذا الفتى الذي يدفع فتيانُ أشراف القوم ملابسَهم لمَن تشرف على غسيل ملابسه كي تكتسب من عطره النادر الذي يبقى أياماً يضوعُ في المكان وكأنه سُكِب لتوِّه.. ثم يتزوج أشرف وأجمل بنات أعظم أمة على الأرض بذاك الزمان، بنت الملوك وأخت الملوك، فاطمة بنت عبد الملك، ولم تكُ أقل منه شرفاً ونسباً وثراءً واستعراضاً وتيهاً وعلو كعبٍ بالأناقةِ المفرطة مع جمال وبهاءٍ طارا في الأرجاء.. فجأة يُبلغُ الفتى التيـّاهُ بعد موتِ الخليفة عبد الملك بأنه الخليفة الجديد.
اختفى ذاك الفتى ثلاثة أيام ليعود لزوجته رثّ الثياب خشن المظهر، فقد سلّم كل ما يملك لبيت مال المؤمنين، وأخبر زوجته بأن لها الخيار بأن تـُبـْقي ثروتـَها وعزَّها ولكن تخرج من عصمته، أو تبقى معه دون الرفاه لتعيش على بساط مرقّع، فقد سلـّم أيضاً القصرَ الذي فيه يقطنون. ولما اختارت الزوجةُ أن تعيش معه على الضنـَك، طالبها أيضا بأن تسلّم لبيتِ المال كل جواهرها من أبيها ومن إخوانها وهدايا وصلتها من أمراءٍ وملوكٍ بأصقاع الأرض.. وعاشا كأفقر مَن في إمبراطوريتهما العظيمة، وكان يصلح دوما جدار بيته المتداعي كي لا ينهد على من فيه. ولما مات الزوج الغالي عمر، جاء إخوتها ليردّون لها الجواهرَ والنفائس التي سلّمتها لبيت مال المسلمين، فردّتهم وقالت: "ما كنت لأسترد وهو ميت ما أعطيتُ وهو حي"، ومضت تكمل حياتـَها بما عوّدها عليه الزوجُ الحبيبُ، وتبعـَته راضية بمدةٍ قصيرة.. وهي تردد ما قال لها لما تغيّر من الفتى التيّاه المتفاخر إلى الحاكم العادل الزاهد: "إني طمّاع، طمعت بالثروة فأتتني، وطمعت بالخلافة فأتتني.. والآن أطمع بالجنة!".
انظروا لهذا الفتى الشاعر محمد بن الحسن بن موسى، الملقب "بالشريف الرضي"، ويتصل نسبه لموسى الكاظم والحسين بن علي بن أبي طالب، فعُرف أيضاً بالمـَوْسَوي، وهو لا يفرق بين مسلم ومسلم مع أن مذهبه التشيّع، فيرثي الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (على ما بين البيتين من خلافٍ في السياسة والنـَّحلة) قائلاً:
ولو أني رأيتُ قبرَك لاستحْيـَيْتُ من أن أُرَى وما حيـَّيْتـُك
وقليلٌ أن لو بذلتُ ماءَ البُدْن حزناً على الذَّرى وسقـَيتـُك
وترى أن "الشريفَ الرضي" لم ينظر لعمر بن عبد العزيز من موقفه ومعتقده، ولكنه تقمص شخصية الخليفة ليرى أعماله وصفاته، لم يصر على الوقوف على واقعه ووقف في واقع من رثاه. فما أسعدنا لو وقف كل منا موقف الآخر في جوهر صفته الإنسانية، لكنا تراضينا وتسامحنا.
ما الذي غيّر فخر أمة الإنجليزي وعقلها التي ترفعه فوق العقول "صموئيل جونسون" أعظم مَن أنجبته إنجلترا في أدب لغتها، وصاحب القاموس الأشهر باسمه، الرجل الذي راج اسمه وكثرت أمواله ففقد الإيقاع مع الواقع، واقع الناس الآخرين؟ الذي غيّره صديقه الأديبُ "أوليفر جولد سميث" المتعفف الرافض أي جائزةٍ من أثرياء القوم وكبار المتمترسين بالمناصب، فكان يأتي يشكو لصديقه الكبير "جونسون" من أرَقٍ يعتريه، وألم يعصر بطنه، وجونسون كان يقول له ويلحّ عليه مردّداً: يا أخي خفف في الأكل قبل النوم، لا تتخم معدتك من أطايب الطعام المُغرية".
بعد أيام عرف جونسون أن صديقه "سميث" كأن ألمه من الافتقار للطعام لا لكثرته، فقد مات "أوليفر جولد سميث" من الفاقةِ.. جوعاً.
ندم جونسون وتزلزلت نفسيتُه وصحا بضربة عنيفة على الواقع على حقيقةٍ مهمةٍ وهي ألا نحكم على الناس من حيث نقف، وإنما من حيث يقفون. وبعدها قال: "علمني موت صديقي الحزنَ على نفسي لأني غبت عن الواقع خارج واقعي أنا.. وتعلمت منه معنى الأنفـَة والتعفف عن السؤال حتى الموت".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي