رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


شركة أبو عنتر في أمريكا: نصب واحتيال محاسبي (1)

أوردت صاحبة كتاب حالات في المراجعة Auditing Cases هذه القصة الفريدة في الاحتيال المحاسبي لشركة Crazy Eddie, Inc. وتبدأ القصة، كما أوردتها الكاتبة (وهي بالمناسبة أستاذة في جامعة أوكلاهوما في الولايات المتحدة)، عندما كان هناك شاب أمريكي من أصول عربية سورية يسمى ''عيدي عنتر Eddie Antar ''. قام هذا الشاب بفتح محل صغير للإلكترونيات في مدينة نيويورك، وذلك عام 1969، وبرغم البدايات المتواضعة إلا أن هذا الشاب استطاع تحويل المحل الصغير إلى إحدى أكبر الشركات المسيطرة على سوق بيع المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية في مدينة نيويورك. ثم قام بتحويلها إلى شركة مساهمة في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي وليعلن الإفلاس مع نهايتها تماما. فكيف تحول ذلك النجاح الباهر إلى انهيار كامل وهل من عِبَر في تلك القصة؟
بعد أن فشل في دراسته، بدأ أبو عنتر هذا نشاطه بفتح محله الصغير لبيع الأجهزة الإلكترونية ووضع عليه اسم Crazy Eddie ولم يضع هذا الاسم عبثا، ذلك أنه بمجرد دخول أي زبون إلى المحل ثم يهم بالخروج منه دون شراء أي سلعة فإن ''أبو عنتر'' يعترض طريقه ويرفض خروجه حتى يشتري الزبون أي سلعة مهما كانت، وإذا ما حمل الزبون في يده سلعة ما وسأل بفضول عن سعرها فإن ''أبو عنتر'' لا يسمح له بأن يضعها من يده فهو يساومه في السعر ويخفض السعر حتى يضطر المشتري للشراء وأحيانا بتلميحات وتهديد، نعم كان هذا الشاب يشبه ''أبو عنتر'' الشهير في مسلسل المقالب المشهور مع غوار الطوشي، حتى إنك لتندهش من الأوصاف التي أوردتها صاحبة الكتاب لسلوكيات ''أبو عنتر'' هذا وتطابقها بين الشخصيتين، فقد كان معروفا بسلوكه العدواني وجسمه المليء بالعضلات. ولذا كان من الصعب عليه صنع جسور من الثقة مع الآخرين فلم يستطع تكوين صداقات كاملة، وساءت تصرفاته مع العملاء والموردين وبقيت علاقاته بذلك محصورة في أقربائه فقط، وهو الأمر الذي سيكون له أثر كبير في صناعة الاحتيال التي تمت بعد سنوات عدة من هذه البدايات الهزيلة جدا.
بدأت التحولات الهائلة في صناعة المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية وازداد الطلب العالمي على هذه المنتجات وبشكل غير مسبوق، وانتعشت الأسواق وحققت الشركات العاملة نموا كبيرا مع أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي. وهكذا تحول المحل الصغير إلى سوبر ماركت في بيع وتسويق هذه المنتجات الذي يمكن أن تجد في رفوفه أي منتج من أي ماركة. كما وقّع أبو عنتر مع الشركات الصانعة ضمانات تصنيع لأي منتج ''رجيع'' ودون تكلفة عليه، ثم استغل هذه الفرصة وأجبر البائعين على بيع ضمان المحل لكل من يشتري سلعة إلكترونية وإقناع العميل بكل الوسائل، بل عدم تركه يخرج إلا بهذا الضمان، وبذلك تضاعفت أرباح المحل بشكل قياسي، وخاصة أن جميع المنتجات مضمونة مجانا من قبل الشركات المصنعة. ووفقا لطريقته في البيع، فقد كان يقوم بحملات إعلانية في كل الصحف والقنوات الإعلامية وبطريقة مزعجة في بعض الأحيان، وبالمناسبة فقد كان أبو عنتر هذا أول من استخدام سياسة الإعلان عن تعويض الفرق إذا وجد العميل السلعة نفسها عند منافس آخر وبأقل من سعر المحل. وهكذا استطاع ومن خلال ذلك كله صناعة اسم مقنع لشركته في عالم بيع وتسويق المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية.
قرر أبو عنتر أن يتحول بشركته إلى شركة مساهمة، وذلك ببيع أسهمها في سوق الأوراق المالية (تماما كما تفعل الشركات العائلة عندنا اليوم)، وذلك بادعاء الرغبة في استخدام زيادة رأسمال الشركة لتمويل توسعات رأسمالية جديدة، لكن المفاجآت بدأت بالظهور والتتابع بعد ذلك، فقد اكتشف متعهد التغطية مشاكل كبيرة في حسابات الشركة وأن جميع الموظفين في الشركة وحتى المحاسبين والمديرين التنفيذيين هم من أسرة وأقارب أبو عنتر، بل إن زوجته وأمه كانتا تتقاضيان رواتب تصل إلى 100 ألف دولار بلا عمل تقومان به. ولضمان نجاح الاكتتاب طلب متعهد الطرح من ''أبو عنتر'' أن يقوم بتنظيف دفاتر وحسابات الشركة وأن يقوم بتعيين خبراء ومهنيين حقيقيين للقيام بمهام إدارة الشركة، وخاصة منصب المدير التنفيذي وعلى ألا يكون من أفراد أسرته، لكن أبو عنتر ضرب بكل هذه التوصيات عرض الحائط وعين ابن عمه مديرا للشركة. ونظرا للدعاية الكبيرة التي مارسها أبو عنتر من قبل، فقد نجح الاكتتاب بل تجاوز التوقعات وتحولت الشركة العائلية الصغيرة إلى شركة Cazy Eddie. Inc (شركة مساهمة عامة بمواصفات عائلية).
عمل أبو عنتر وبنفسه في السنتين التاليتين على تضليل وشراء ذمم المحللين الماليين، وذلك لضخ سمعة جيدة وتوقعات ممتازة عن أداء الشركة للحصول على تمويل جيد حتى أن أحد المحللين كتب ما معناه: ''إن هذه الشركة رائعة متخصصة تدار بأفضل العقول وأكثرها خبرة مع موظفين مدربين بأعلى مستوى''، وليصبح بذلك سهم الشركة من أكثر الأسهم تداولا في ''وول استريت''. حتى جاء عام 1986 بمفاجآت هائلة وخطيرة. فقد تعاظمت المنافسة وانحسرت فقاعة السوق وتقلصت العوائد ومع وإدارة فاشلة وغير متخصصة ضمت أقارب ''أبو عنتر''، فقد فشلت الشركة في مواجهة كل هذه المشاكل المتصاعدة في السوق والمنافسة وفي الحفاظ على المحللين المتربصين. ومع استمرار الانهيار في قدرة الشركة على خلق الأرباح طلبت زوجة ''أبو عنتر'' الطلاق منه ثم بدأ الأقارب ينفضون من حوله حتى قرر هو بنفسه الاستقالة من رئاسة الشركة بنهاية عام 1986. بدأت بعد ذلك سلسلة انهيار متسارع في سعر سهم الشركة مع تسربات عن وجود غش وتلاعب وتحريف في القوائم المالية.
والسؤال العابر الآن هل هناك تشابه بين طريقة إدارة ''أبو عنتر'' وعائلته للشركة وطريقة بشار الأسد وعائلته في إدارة سورية وشعبها، وهل ستكون النهاية واحدة؟ والسؤال الأهم عندي هو كيف استطاع أبو عنتر فعل ذلك كله، وكيف لم يكتشف مراجع الحسابات تلك المصائب؟ وهو ما سأوضحه في المقال القادم ـــ بإذن الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي