تخطيط المدن وغياب الإدارة المحلية
أبدأ مقالي بالإشادة بما طرحه الدكتور عبد العزيز الخضيري في "الاقتصادية" في 30 تموز (يوليو) 2012 العدد 6867، حيث أوضح الفرق بين التخطيط العمراني والتنمية العمرانية في محاولة منه وهو المتخصص أكاديميا في التخطيط الحضري والإقليمي والخبير في الإدارة الحكومية ممارسة واطلاعا، في لفت الانتباه إلى أهمية الإطار السياسي والإداري في تشكيل القرار الفني في تخطيط المدن، وهو ما يتفق مع التوجهات العالمية الجديدة في التخطيط الحضري. وربما ألمح في آخر مقاله إلى أهمية الإدارة المحلية كركيزة أساسية في تحسين أداء تخطيط المدن والتي تقع في جوهرها إدارة استخدام الأراضي. إلا أنني لا أتفق مع ما ذهب إليه في التفريق بين مفهومي التخطيط العمراني والتنمية العمرانية لمستوى يتعدى غرض التحليل ويعطي انطباعا أنهما غير مكملين لبعضهما بعضا. فالقرار التخطيطي يفترض أنه يدور في فلك السياسة العامة المحلية التي يقرها المجلس النيابي المحلي سواء كان على مستوى المنطقة أو المحافظة أو البلدية. ويتبع ذلك أن القرار التخطيطي ليس فنيا صرفا وإنما تكون السياسة جزءا كبيرا منه. على سبيل المثال مواصفات الطريق جودة واتساعا مبنية على معايير فنية لكن أين سينفذ الطريق؟ وفي أي حي؟ هذا قرار سياسي. والمقصود بالسياسة هنا القرار الجماعي والصيغة التوافقية التي توازن بين المصالح المتعددة والاتجاهات المختلفة لفئات المجتمع المحلي وتحقق أعلى رضا جماعي وليس بالضرورة الرضا التام على المستوى الفردي على الأقل من الناحية النظرية. لذا تسود بعض القيم لبعض الفئات النافذة في المجتمع وتجتذب القرار المحلي لصالحها ليكون أكثر قربا لتحقيق رضاها مقارنة مع الآخرين. إذ إن طبيعة القرار العام تختلف عن القرار الخاص في أنه متى تم اتخاذه يتم تطبيقه على الجميع بغض النظر عن درجة التفاوت في التفضيل بين سكان المدينة. لذا تبرز أهمية أسلوب صناعة القرار المحلي وكيفية التوصل إلى قرارات تستجيب لمتطلبات المجتمع المحلي بكفاءة وفاعلية وعدالة وتؤدي إلى زيادة الإنتاجية وراحة العيش في المدينة.
المدن كتجمع إنساني هي مكان الفعل والنشاط والتفاعل بين الناس، وبالتالي تحتاج صيغة لصناعة القرار العام المحلي يتحقق من خلالها التوافق الجماعي فيما يهم السكان ويحقق مصالحهم في الحاضر والمستقبل. هذه المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار المحلي هي مفتاح التنمية المحلية والموجه لها وهي التي تحدد مستوى إسهام سكان المدن في تحقيق أهدافها. فالمدينة هي البيت الكبير ولا يمكن تخيل أن يتم تخطيطها دون مشاركة سكانها. كيف يصح أن يتم توزيع الأنشطة ووضع المعايير وتحديد الاشتراطات ومستوى النمو الحضري دون الأخذ في الحسبان توجهات الرأي العام المحلي من خلال ممثليهم في المجالس النيابية. تهميش السكان وعدم إشراكهم في عملية صنع القرار المحلي يعني تنمية مشوهة قاصرة عن الاستجابة للمتطلبات الحقيقية لهم وغير قادرة على معالجة المشكلات التي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم. فلم يعد بإمكان المخططين التنبؤ بالمستقبل على أساس علاقة خطية تربط بين عدة متغيرات وتتوصل إلى نتائج شبه أكيدة. هناك الكثير من المستجدات والمتغيرات التي تؤثر في أنماط الاستهلاك وتركيبة سوق العمل ومستوى سقف التوقعات والثقافة السياسية والاجتماعية، ما يؤكد ضرورة إشراك السكان في عملية التخطيط ليسهموا بأفكارهم وجهدهم في وضع تصورات ورؤى مستقبلية ويكون لديهم الحماس والرغبة الأكيدة في تنفيذها. والحقيقة أن من يمتلك المكان يحرص عليه وهذا ما تفعله المشاركة الشعبية في صنع القرار المحلي. هناك الكثير من المظاهر السلبية والسلوكيات الخاطئة تمارس في الأماكن العامة وكأن المكان لا يهمهم وهذه نتيجة حتمية لعدم تملك الناس للمكان وعدم إحساسهم بأنه وضع من أجلهم ولمنفعتهم، ولذا لا يمكن الاستمرار في الاعتماد على البيروقراطيات المركزية في إدارة المدن والتخطيط لها وتوفير الخدمات العامة، فهذا ينتزع الانتماء للمكان من السكان ويخلق فجوة بين صانع القرار والمستفيد. هذا الوضع يقلل من بناء القدرات المحلية جهدا وفكرا ولا يكون هناك تطوير للخبرة المحلية وهو ما يعوق جهود التنمية ويفقدها تميزها وتخصصها وقدرتها التنافسية.
هناك أمر آخر على درجة كبيرة من الأهمية في موضوع التخطيط والتنمية العمرانية ويؤكد أهمية تداخل المفهومين مع بعضهما البعض تكاملا وانسجاما وهو أن قرار التخطيط وتقديم الخدمات البلدية يلزم أن يرتبط باستراتيجية التنمية المحلية، بمعنى أن قرار إنشاء طريق وتحديد مكانه على سبيل المثال يكون على أساس الأولوية التنموية ومدى إسهامه في تحقيق أهداف التنمية المحلية. لكن السؤال من يحدد الاستراتيجية المحلية؟ هل هي المجالس النيابية المحلية أم الأجهزة المركزية؟ تساؤل مشروع في ظل ضعف صلاحيات مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية، وبالتالي غياب استراتيجيات محلية تكون بمثابة البوصلة لصناعة القرار المحلي. ما يحدث الآن هو ردة فعل، فما أن تقع مشكلة يسارع إلى إقامة مشروع أو تقديم خدمة وهذا أمر مؤسف ومكلف لأنه يستنزف الجهد والمال لأنه يتم باستعجال ودون إعداد مسبق. لذا نجد مع الإنفاق السخي للدولة أنه ما زالت هناك مشكلات تستغرقنا ولم تتم معالجتها جذريا مثل البطالة والازدحام المروري في المدن الكبيرة، بل إن التشرذم الإداري والمركزية بلغت حدا أصبح فيه كل جهاز حكومي يخطط وينفذ بعيدا عن الآخر، وما ظاهرة استباحة شوارع المدن بالحفر والدفن إلا نتيجة غياب إدارة مدن شاملة مسؤولة عن التخطيط الشامل والتنسيق في التنفيذ. وهذا جميعه يعود في الأساس إلى أن القرار المحلي يصنع مركزيا بعيدا عن مكان الحدث. رحم الله الملك عبد العزيز الذي أدرك بفطنته السياسية "أنه يرى الحاضر ما لا يرى الغائب" فمنح جميع الصلاحيات لممثليه في المناطق والمدن، وعلم أن أهل المدن أعلم بأحوالهم وألا أحد يزاود على اهتمامهم بمدينتهم وأنها مسؤوليتهم في تحقيق مصالحهم وهم في الوقت ذاته مساءلون أمامه عن أي خطأ يقع أو يخل بالمصلحة العامة. فقد أثر عنه توجيهه للمسؤولين المحليين "لا يجيني أحد يشكي". هكذا كانت تعمل اللا مركزية في عهد المؤسس الوالد الملك عبد العزيز على التكامل بين التخطيط العمراني والتنمية العمرانية، لأن صانع القرار واحد والمرجعية واحدة في سلسلة مترابطة في منظومة واحدة. إلا أن الوضع الراهن جنح نحو المركزية الشديدة واستحوذت فيه البيروقراطيات المركزية على القرار المحلي وكان التشرذم الإداري حتى بدا أن التخطيط العمراني هو نفسه التنمية العمرانية فكان تضخم المدن وترهلها وعجزها عن التحول من مستقرات عمرانية إلى وحدات سياسية ترعى مصالح السكان المحليين عبر تنمية محلية تلبي احتياجاتهم. ربما هذا ما دعا الدكتور عبد العزيز الخضيري للكتابة وتوضيح الفرق بين مفهومي التخطيط العمراني والتنمية العمرانية.