تنمية الشريك الأجنبي في مجتمعنا المدني
ينقسم العمل المؤسسي في المملكة من المنظور التنموي إلى ثلاثة قطاعات رئيسة: العام، الخاص، والمدني. تملك الحكومة القطاع العام وتديره من خلال ثلاث سلطات رئيسة: السلطة القضائية ممثلة في المحكمة العليا، والسلطة التنفيذية ممثلة في مجلس الوزراء، والسلطة التشريعية ممثلة في مجلس الشورى. ويملك المواطنون القطاع الخاص ويديرونه من خلال مجموعة من المؤسسات الربحية المختلفة ضمن مجموعة من الأنظمة والتشريعات المتنوعة. ويشترك كل من القطاعين العام والخاص في ملكية القطاع المدني ويديرانه من خلال مجموعة من المؤسسات غير الربحية المختلفة تعرف بمؤسسات المجتمع المدني. من أمثلة مؤسسات المجتمع المدني: الجمعيات الخيرية، الجمعيات العلمية، والجمعيات المهنية. وعلى الرغم من عراقة هذه المؤسسات، إلا أن مشاركتها في العملية التنموية منذ بداية التخطيط الاقتصادي مطلع السبعينيات الميلادية وحتى اليوم ما زالت دون المأمول.
تعود جذور المجتمع المدني السعودي إلى مطلع القرن الماضي عندما وضع نواته الأولى المؤسس الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - من خلال إنشاء الهجر لتوطين البادية، وليكون المؤسس - طيب الله ثراه - بذلك التفكير رائد المجتمع المدني السعودي. أشار أستاذ الأدب الحديث في جامعة القصيم الدكتور حسن الهويمل في دراسته بعنوان ''التأسيس للمؤسسات المدنية في عهد الملك سعود بن عبد العزيز''، إلى أن ''ريادة المجتمع المدني كانت من خلال إنشاء مؤسسات الدولة على يد المؤسس للكيان الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - والتأسيس المدني على يد مؤسس المجتمع المدني الملك سعود بن عبد العزيز - طيب الله ثراه - وأما مرحلة الانطلاق فبدأت على أيدي إخوانه من بعده''.
أسهمت مؤسسات القطاع العام في تنفيذ الخطط التنموية الأولية، ثم تطور عدد الشركاء في تنفيذ الخطط التنموية اللاحقة بدخول مؤسسات القطاع الخاص شريكا رئيسا في العملية التنموية السعودية، مدعومة بتطلعات الاقتصاد السعودي لتنويع مصادر الدخل. استمر عدد الشركاء الرئيسين مقصورا على مؤسسات القطاعين العام والخاص. وعلى الرغم مما تملكه مؤسسات المجتمع المدني من إمكانات فنية تنموية نابعة من ملامستها احتياجات المواطن بشكل أكثر قربا من مثيلاتها في القطاعين العام والخاص، إلا أن تحديات الموارد المالية تقف عائقا أمام وجودها شريكا رئيسا في العملية التنموية السعودية جنبا إلى جنب مع زميلاتها في القطاعين العام والخاص.
ومن أهم المجالات التي قد تسهم في مواجهة تحدي الموارد المالية التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني، القطاع الخاص الأجنبي الموجود في المملكة. والدافع خلف التركيز على القطاع الخاص الأجنبي دون السعودي ثلاثة دوافع. الأول؛ إيجابيات زيادة عدد الشركاء الرئيسين في العملية التنموية، بدخول القطاع الخاص الأجنبي جنبا إلى جنب مع مثيله السعودي. الثاني؛ أهمية استثمار نمو المشاركة المستهدفة للقطاع الخاص الأجنبي في الناتج المحلي الإجمالي السعودي بما يضفي مزيدا من القيمة التنموية لطبيعة مشاركته. والثالث؛ التقاء توجهات مؤسسات المجتمع المدني التنموية مع محفزات مشاركة القطاع الخاص الأجنبي بشكل مباشر، عوضا عن غير مباشر، عبر القطاع الخاص السعودي.
تقودنا هذه الدوافع إلى النظر في حجم الاستثمار الأجنبي في العملية التنموية السعودية وانعكاساته على الناتج المحلي الإجمالي السعودي منذ 1990، مرورا بـ 2011، ووصولا إلى 2024، التوقيت المستهدف لبلوغ رؤية الاقتصاد السعودي، بعون الله تعالى وتوفيقه. يشير تقرير الاستثمار العالمي 2012 الصادر من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ''أونكتاد''، إلى أن إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد العالمي بلغ نحو 7807 مليارات ريال في 1990. جذب الاقتصاد السعودي منها نحو 1.1 في المائة، 82 مليار ريال. شكّل هذا الحجم نحو 19 في المائة من إجمالي النتاج المحلي السعودي. كما يشير التقرير إلى أن إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد العالمي بلغ نحو 1.5 تريليون دولار أمريكي في 2011. كما توقع التقرير أن يستمر حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد العالمي في النمو ليصل إلى 1.6 تريليون دولار أمريكي في 2012، فـ 1.8 تريليون دولار أمريكي في 2013، فـ 1.9 تريليون دولار أمريكي في 2014. جذب الاقتصاد السعودي من إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد العالمي في 2011 نحو 0.91 في المائة. تمثل هذه الحصة خروج المملكة من قائمة أكثر عشر دول جذباً للاستثمارات الأجنبية لتحتل المرتبة الثانية عشرة.
تنمو نظرتنا التنموية لهذه الأرقام عندما ننظر لها بحلول 2024 من واقع ''الاستراتيجية بعيدة المدى للاقتصاد السعودي'' الصادرة من وزارة الاقتصاد والتخطيط. يستهدف الاقتصاد السعودي أن يصل ناتجه الإجمالي المحلي إلى نحو 2543 مليار ريال بحلول 2024. وإذا استخدمنا معدل النمو السنوي لحجم الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة خلال 1990 - 2011، فإن هذا يقودنا إلى توقّع أن يصل حجم الاستثمار الأجنبي في المملكة إلى 781 مليار ريال بحلول 2024. يشكل هذه الحجم ما نسبته نحو 31 في المائة من إجمالي النتاج المحلي السعودي المستهدف في 2024.
يقودنا الحديث عن الدور التنموي لمؤسسات المجتمع المدني وجدوى شراكتها مع القطاع الخاص الأجنبي بما يسهم في أدائها دور شريك رئيس في العملية التنموية السعودية، إلى التأكيد على أهمية دعم دور مؤسسات المجتمع المدني في العملية التنموية السعودية بما يمكنها من أداء دور تنموي رئيس، يمكنها من العمل جنبا إلى جنب مع مثيلاتها في القطاعين العام والخاص. واستثمار حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المستهدفة من قبل الاقتصاد السعودي بما يدعم الدور التنموي لمؤسسات المجتمع المدني، تمثّل في مجملها بيئة محفزة لإعادة النظر في الأنظمة القائمة بما يمكنها من تأطير عملية تحصيل الضرائب من الشركات الأجنبية العاملة في المملكة.