رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مقارنات خليجية بالأرقام مرة أخرى

كتبت مقالا بعنوان ''مقارنات خليجية بالأرقام'' نشر في 17 يوليو من العام الجاري. حوى المقال مؤشرات رقمية أساسية عن دول مجلس التعاون من مصادرها المعتبرة. جلب المقال تعليقات، تتطلب توضيحا.
المقال، وكما يظهر من عنوانه، يحوي مقارنات رقمية. وتلك المقارنات عملية حيادية. بمعنى أن المقارنة لا تنتج حكما، وكاتب المقارنة لا يتبنى رأيا. لكن يبدو أن فئة من القراء اختلط عليها الأمر، فظنت أن عقد مقارنات ما تنتج أحكاما. ربما لا يعجب هؤلاء الحياد. ويتوهمون أن إعطاء مقارنات رقمية يستلزم بالضرورة تبني رأي بعينه، أو الدفاع عن وجهة بعينها. وهذا تحميل للكلام بغير ما يحتمل.
من الخطأ المنهجي أن يفهم أن نشر كاتب من الكتاب لمقارنة تعني تبني رأي بعينه بين الأطراف التي جرت مقارنتها. إذا أبدى واضع المقارنة تفسيرا وتحليلا للأرقام التي أوردها في مقارناته فالأمر مختلف. ودون ذلك، فإن النقد ينبغي أن يتركز على مصدر الأرقام، ليس إلا.
مصدر الأرقام مشكلة كبرى. هناك أمور ذات بال، يقترح عقد مقارنات بشأنها، لكن عقد المقارنات بحياد صعب بسبب عدم وجود أرقام من مصادر معتمدة. خذ مثلا نسب تملك السكن بين دول الخليج. هناك ما يشبه اليقين بأن نسبة التملك في السعودية متدنية كثيرا مقارنة ببعض دول الخليج. كم تبلغ هذه النسب؟ المعلومات غير متاحة بصورة يعتمد عليها.
وحتى لو أتيحت المعلومة، فقد تتعدد مصادرها، مما يضعف الموثوقية في المعلومة. قد تتعدد المصادر الرسمية للمعلومة، وكل مصدر يعطي رقما مختلفا. لنأخذ، مثلا، عدد السكان المواطنين أو مجموع السكان المواطنين وغير المواطنين.
بعض الدول تمتلك إحصاءات دقيقة جدا حول السكان، مثل الدول الاسكندنافية. أما في دول مجلس التعاون، فإن هناك شكوكا في بعض الإحصائيات المعطاة. مثلا كم عدد المواطنين في قطر أو الإمارات؟ كم عدد غير السعوديين في السعودية؟ هناك تباين كبير في التقديرات. وأحد الأسباب المقيمون بصورة غير نظامية. وقد أشار إلى هذه النقطة الأخ عبد الرحمن الزامل في تعقيبه، حيث تطرق إلى وجود نحو ثلاثة ملايين مقيم غير نظامي. ولا تعقيب لدي على ذلك، لأني لا أملك معلومة تنفي أو تثبت هذا الرقم.
أمر آخر، يجب عدم تحميل المقارنات تفسيرا يحمل تضليلا، بسبب اختلاف الظروف الزمانية والمكانية.
مثلا: عندما يورد الكاتب رقما حياديا من مصدر معتمد. مثلا توظيف خريج جامعة من تخصص بعينه براتب كذا في دولة كذا، ويورد أرقاما للمقارنة في راتب مثل هذا الخريج في دولة أخرى. فإن الأرقام بحد ذاتها لا تعطي حكما بأن المستوى المعيشي للخريج الأول أفضل أو أسوأ.
إعطاء الحكم يتطلب معلومات تفصيلية وتحليلات كثيرة، كمستويات الأسعار والخدمات ونحو ذلك، وهي نقطة لم يقصدها الكاتب أصلا.
مثال آخر، لو قيل إن معدل التضخم لعام كذا في الدولة س هو 5 في المائة وفي الدولة ص هو 7 في المائة، فإنه ليس بالضرورة أن الوضع في الدولة ص أسوأ في الأسعار من الدولة س. ومن الأسباب أن بنية ومنهجية معدل التضخم ليست متماثلة بين الدول.
عمل مقارنة رقمية له فائدة وعليه مآخذ. المقارنة الرقمية وسيلة، من وسائل كثيرة، للدخول في فهم الأوضاع. لكنه لا يصلح عمل مناقشات تحليلية على قياسات ومقارنات بين بيئات غير متشابهة، دون أخذ ذلك بعين النظر.
المقارنة وحدها غير كافية. هي تفتح الباب لإثارة أسئلة كثيرة. وقد ينجح الكاتب لاحقا أن يقدم إجابات شافية لماهية ومصدر الاختلافات، وقد لا ينجح أو لا يستطيع.
أخيرا، فإن المقارنة منصبة على أرقام واقع نعيشه، ولا تعني بأي حال من الأحوال، مدح أو ذم هذا الواقع. وتبعا لذلك، فإن الواقع هو وجود فروقات كبيرة بين دول المجلس في أشياء كثيرة. أما كيف صار هذا الواقع، وهل من الممكن تغييره فهذه أمور خارج نطاق المقال المنوه عنه في بدايته.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي