جمود الإنتاج النفطي خفض ناتج الفرد
شهد الاقتصاد السعودي خلال العقود الثلاثة الماضية تراجعاً للناتج الإجمالي الحقيقي للفرد، حيث انخفض من 55.4 ألف ريال في عام 1980م إلى 33.6 ألف ريال في عام 2011م (بأسعار عام 1999م)، أي بنسبة انخفاض مقدارها 39.4 في المائة خلال الفترة، أو بمعدل سنوي مقداره (- 1.6٪). وكان التراجع في الناتج المحلي الحقيقي للفرد في القطاع غير النفطي أقل، حيث تراجع من 28.6 ألف ريال في عام 1980 إلى نحو 24.4 ألف ريال في عام 2011م، أي بنسبة انخفاض مقدراها 14.7 في المائة خلال الفترة كلها أو بمعدل تراجع سنوي مقداره 0.5 في المائة. وكان من أبرز أسباب تراجع الناتج المحلي للفرد خلال الفترة النمو الكبير في معدلات النمو السكاني، والذي بلغ نحو 3.6 في المائة سنوياً خلال الفترة متجاوزاً معدلات النمو الحقيقي في الناتج المحلي الحقيقي. ومع هذا لا يمكن إلقاء كل اللوم على معدلات النمو السكانية المرتفعة وحدها، فهناك العديد من الدول، التي شهدت ارتفاعا في معدلات نموها السكاني وتمكنت في نفس الوقت من رفع معدلات الناتج الإجمالي للفرد. وبلغت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الدول النامية والناشئة خلال العقود الثلاثة الماضية نحو 3.7 في المائة سنوياً، وهذا أعلى من نظيره المسجل في المملكة والبالغ 2 في المائة.
وساهمت العديد من العوامل في تراجع معدلات الناتج المحلي للفرد خلال فترة الثلاثة عقود الماضية. ويعتبر الجمود في مستويات الإنتاج النفطي الفعلي من أبرز هذه العوامل التي قادت إلى تراجع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد. وأدى هذا الجمود إلى تراجع الناتج المحلي النفطي للفرد بنسبة 3.5 في المائة سنوياً خلال الفترة، وهذه النسبة كان لها الأثر الأكبر في خفض معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد. وبلغ إنتاج النفط الخام الفعلي أوجه في عام 1980، والذي وصل فيه إلى مستويات قياسية، حيث أنتجت المملكة نحو 3624 مليون برميل أو بمعدل يومي وصل إلى نحو عشرة ملايين برميل، وشهد إنتاج النفط الخام تراجعاً خلال الثمانينيات، وانخفض في عام 1985م إلى أقل من نصف مستواه في عام 1980م. وعاود الإنتاج النفطي الارتفاع في السنوات التالية، واقترب في عام 2011م من مستوياتها القياسية المسجلة منذ ثلاثة عقود، ومع هذا ما زال معدل إنتاج النفط الخام اليومي أقل من مستويات عام 1981 حتى الوقت الحالي. وتجاوز إنتاج المملكة من سوائل الطاقة في عام 2011م مستويات عام 1980م بسبب النمو الكبير في إنتاج سوائل الغاز. ونجحت المملكة خلال الفترة الماضية في استغلال الغاز الطبيعي المصاحب وسوائله والتي كان يحرق الجزء الأكبر منها في السابق. ويعكس النمو الفعلي لإنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي وسوائل الغاز نمو الناتج المحلي النفطي، ويشكل إنتاج النفط الخام معظم الناتج النفطي.
ويرجع جمود إنتاج النفط الخام إلى كونه مورداً طبيعياً تحدد كميات إنتاجه عوامل تخرج في معظم الأحيان عن سيطرة المنتجين. وقد يرجع جمود الإنتاج النفطي إلى ضخامة إنتاج المملكة النفطي مما يصعب من رفع معدلات الإنتاج بنسب كبيرة, وكذلك إلى تقادم الحقول النفطية واستنزاف بعضها مع مرور الوقت. وتتطلب المحافظة على مستويات إنتاج مستقرة ضخ استثمارات ضخمة، وتعتبر المحافظة على مستويات الإنتاج الضخمة بحد ذاتها نجاحاً لسياسة المملكة النفطية. كما قد يعود جمود النمو في إنتاج النفط الخام إلى الرغبة في إطالة عمر الموارد النفطية، وسياسة المحافظة والدفاع عن أسعار جيدة لها. وقد يرجع إلى عدم ظهور اكتشافات رئيسية جديدة مماثلة لما حصل في السابق، وأنه قد تم بالفعل العثور على المتوفر من حقول هذا المورد، وليس هناك إمكانية كبيرة للعثور على اكتشافات إضافية مهمة. وكان حقل شيبة الاكتشاف الرئيسي الأبرز خلال العقود الثلاثة الماضية، على الرغم من أنه لا يقارن باكتشافات الحقول الضخمة في السابق. وقد تعود قلة النجاح في العثور على اكتشافات جديدة إلى تفرد شركة أرامكو بإنتاج وتسويق النفط. فالمنافسة تقود إلى سباق محموم للعثور على اكتشافات رئيسية جديدة. ويؤدي قصر الإنتاج والاكتشاف على محتكر واحد إلى خفض كفاءة المحتكر وقدرته على اكتشاف وتطوير الحقول النفطية وقد يضخم من تكاليف الإنتاج ويخفض القيمة المضافة في القطاع النفطي.