رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مجرد مقارنة

ما زلت أتذكر زيارتي الأولى لمطار ''هيثرو'' في ''لندن'' وأنا في طريقي للجامعة التي سأمكث فيها عدة سنوات للدارسة، ويالهول المفاجأة التي أصابتني وأنا أشاهد المئات من البشر يتدافعون عبر ممرات المطار الطويلة في سباقهم نحو مكاتب الجوازات البريطانية (الهجرة). وقفت في ذهول عندما وصلت الصالة الرئيسة، بينما تقف أمامي صفوف من البشر ولافتات ملونة تصيبك بالدوار. مرت لحظات كأنها شهر وأنا في حيرة أنظر وأسمع لكل لغات العالم من حولي وأحمل حقيبتي الصغيرة على كتفي وطفلة صغيرة في كل يد، بينما تقف زوجتي خلفي وهي تحمل الثالثة. وفي غمرة الصمت والذهول جاءتني إحدى الموظفات وهي تفتح ممرا خاصا لي ولأسرتي لتغلقه خلفي فلم يدخل معي فيه أحد، ثم تطلب مني الذهاب مباشرة إلى مكتب في طرف الصالة عند إحدى الموظفات. سألتني تلك الأسئلة المعتادة ''أين خطاب قبول الجامعة وأين سأسكن''، ثم أخذت ذلك الختم الذي لم يزل صوته يرن في أذني وطبعت على جوازات السفر إقامة لمدة ثلاثة سنوات، هكذا في المطار وبكل بساطة ولم أدفع ''بنسا'' واحدا.
مرت السنوات الثلاث بسرعة، وجلست وحيدا مهموما في مكتبي في الجامعة أفكر كيف سأسافر إلى ''لندن'' لتجديد تأشيرة الإقامة من الداخلية Home office. لم يكن النقل قضيتي فكل الوسائل متاحة وبسعر مناسب، المشكلة في تكاليف الإقامة بلندن، كما أنني لا أستطيع ترك أسرتي لثلاثة أيام ولا أستطيع أن آخذهم معي. وفي غمرة التفكير انتبهت لأحد زملاء الدراسة من الإمارات وهو يسألني عن همي فأخبرته أنني اتصلت بالملحقية الثقافية السعودية في لندن وسألتهم عن هذا الشأن فإذا لهم قائمة طويلة من الوثائق وخطابات من الجامعة والمشرف والصور ثم أرسل قيمة تجديد التأشيرات ''نقدا'' للملحقية وعلي الانتظار لعدة أشهر. قلت له إن هذه الخيارات تصيبني بالقلق لأسباب عدة، فلم يكن عجبي من هذا الصديق سوى أن ضحك وتهكم عليّ وعلى همي وقال: اذهب للمكتب القانوني في الجامعة وذاك هو مكتبهم وسينهون لك جميع الإجراءات وأنت في مكتبك هذا. لم يجدني بعدها ليكمل حديثه، فقد قفزت إليهم فورا. كانت هناك موظفة وحيدة تجلس بهدوء على مكتب أنيق، فسألتها فورا هل تستطيعين مساعدتي في تمديد تأشيرة إقامتي من الداخلية دون السفر إلى لندن. قالت بكل سرور فقط أين الوثائق وكم تريد مدة التمديد ثم طبعت النماذج الخاصة المتوافرة على الموقع الإلكتروني للداخلية البريطانية وطلبت مني توقيع شيك بنحو 150 جنيها إسترلينيا. باندهاش واضح قلت ''بشيك''، قالت نعم ولو إنك زرتهم بنفسك لتعين عليك دفع أكثر من 200 جنيه، فالخصم حافز كي لا تقوم بزيارتهم وتربك أعمالهم. ثم وَضَعت أوراقي في مغلفات الجامعة الرسمية وبحرص مبالغ فيه، وقالت انتظر أسبوعا أو أسبوعين وسيأتك الرد. في اليوم التالي وصلتني رسالة من الداخلية البريطانية تشكرني على التزامي بالقوانين وأن هذه رسالة إثبات باستلام الجوازات وسيستغرق الأمر أسبوعين على الأكثر. بعدها سمعت على بابي طرقا من ساعي البريد وبيده وثائقي وعليها تأشيرات تمديد الإقامة. نعم هكذا ببساطة فلم يكن عليّ مغادرة مكتبي سوى لدقائق أزور فيها المكتب القانوني للجامعة وعفا الله عن الملحقية الثقافية ومساعدتها البائسة.
عدت للمملكة بعد الدراسة وكان لدي الآن طفلة جديدة تحتاج إضافة لبطاقة العائلة. وكما هو معروف للجميع كان يتعين عليّ ترك مكتبي في كل يوم لزيارة مكتب الأحوال المدنية، يوم لتقديم وتدقيق الوثائق ويوم للتصوير ويوم للاستلام. ولا أتوقع عزيزي القارئ بأنك مهتم للسؤال عن خدمات الجامعة في هذا الشأن. ثم مرت الأيام سراعا كعادتها ولحاجة الأسرة لعاملة منزلية تقدمت بطلب استقدام، وذلك همّ لن أتحدث عنه، لكن مع وصول العاملة إلى أرض المطار لم يكن هناك سوى ختم للدخول وتأشيرة لثلاثة أشهر فقط. وهكذا يتعين عليّ القيام برحلات مكوكية في كل يوم بين المستوصفات للكشف الطبي ومراكز التصوير، فضلا عن طوابير طويلة أمام موظفين للبصمات والتصوير، (ولم أفهم حتى الآن لماذا كان عليّ إرفاق صور من مراكز التصوير الخارجية إذا كان عليهم التصوير بأنفسهم) ثم يوم آخر طويل جدا لتسليم الوثائق ويوم لاستلام وثيقة الإقامة وبتأشيرة لمدة عامين فقط. نعم هكذا على حساب عملي في الجامعة وبكل ذلك التعقيد.
ولأن السنوات تمر بنا مر السحاب وجدت نفسي مرة أخرى في مشكلة تجديد الإقامة للعاملة المنزلية. ومرة أخرى عليّ أن أصرف أياما للمستوصفات (ولا أعرف ما هي الحكمة من تجديد الفحص الطبي لعاملة منزلية تسكن مع أسرتي لأكثر من سنتين نراجع بها المستشفيات كلما ألمّ بها عارض صحي). ثم مراكز التصوير مرة أخرى (مع أنه لدى الجوازات صور الوثائق التي لم يمض عليها زمن طويل وصور محفوظة في النظام)، ثم عليّ الوقوف في طوابير الانتظار مرة أخرى حتى إنهاء جميع الإجراءات وسأدفع فوق كل هذا مبالغ تتجاوز 1700 ريال. وبحق فلقد هممت بألا أجدد لها التأشيرة وسأتحمل بدلا عن ذلك غرامات التأخير التي حتما ستقل عن تكلفة انتظاري وتنقلي بين المستوصفات ومكاتب الجوازات.
وإذا كان حظك عزيزي القارئ سيئا مثلي فإنك قد تحتاج في الوقت نفسه إلى تجديد جوازات السفر الخاصة بك وبأسرتك أو تجديد رخصة القيادة واستمارة ملكية السيارة أو بطاقة الأحوال وغيرها من الوثائق الروتينية، وهذا بالطبع سيتطلب منك ترك مكتبك لمراجعة كل هذه الدوائر والوقوف بكل تلك الطوابير. هنا فقط يمكنك أن تفهم لماذا لا نستطيع تطوير خدمات النقل العام فلا مجال لوقوفها عند كل هذه المؤسسات. ويمكنك أن تفهم لماذا تزدحم الشوارع بنا في ذلك الوقت، ولماذا لا تجد موظفا على مكتبه بعد الساعة التاسعة صباحا؟ فالكل يراجع الكل والكل ينتظر أمام مكاتب الكل والجميع ليسوا على مكاتبهم.
''وللمقارنة فقط'' تذكرت أن مشرفي أثناء الدراسة لم يكن بحاجة إلى مغادرة مكتبه أبدا وطوال يوم عمل كامل، وعرفت حينها لماذا انخفضت ساعات الإنتاج عند الموظف السعودي إلى أدنى حد. لكن العجب كل العجب وعندما أروي قصتي هذه يأتيني الرد ''احمدْ ربك الآن أرحم من زمان، اليوم لدينا خدمات لحكومة إلكترونية لا تخدمنا، وبريد نسمع به ولا نراه يسمونه ''واصل''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي