رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


حراجُ الموتِ

.. الدماغُ البشري المادة الأكثر تعقيداً في الكون. يستطيع الدماغُ أن يقوم بعمليات التواصل والإيصال أكثر من كل الأجرام السماوية. لا نعلم، وأعتقد لن نعلم، مدى شساعة وعظم تعقيدات هذا الدماغ، ولا يمكن أن نتنبأ يما يستطيع الفردُ أن يعمله من أعمال خارقة لو أتيح لنا استخدام مساحاتٍ أكبر من قوته الحاسوبية. ونعلم أن العقل تختل بعض وظائفه مرضياً، ونعلم أيضاً أن العقل يُطفئ نفسَه وهو بكامل أهليته أمام واحدة من القوى الأسطورية: الإغواء.
ذاك الشاب في كولورادو الأمريكية، الذي دخل دار سينما في أكثر عروض الأفلام ازدحاماً، وفتح سلاحه الأتوماتيكي لحصد أرواح بريئة كل ذنبها أنها كانت من ضمن حضور حفل الفيلم الجديد للوطواط، ذاك الشابُ لم يكن مجرماً، ولم تكن له أي سابقة إجرامية، ونقل عنه كل مَن عرفه عن وداعةٍ فيه وحياءٍ شديدين، وتكلم مدير جامعته وقال إنه واحد من أفضل تلاميذ جامعته أخلاقاً وتحصيلاً ونتيجة، يعني كان ''الفتى الذهبي''، ويعيش أجمل أوقات حياته متألقاً ناجحاً، ومستقبل ينتظره لوعدٍ كبيرٍ ومتألق.. ولكن شيئاً أغواه، لأن قراره بالقتل ليس لحظياً، ولم يشرب شيئاً أضاع وعيه ففعل ما فعل.. إنما إغواءٌ أخذ مداه، فهو كان يخطط بإرادة واعية لجمع أكثر أنواع الأسلحة حصداً للأرواح، واشتراها قانونياً - وهذه واحدة من مصائب المجتمع الأمريكي المعقد الحاجة - من دكاكين الأسلحة المتناثرة في شوارع المدن الأمريكية.. إن العقل لأمر فسيولوجي تعقدت تفسيراته يعجز أحياناً أمام الإغواء، إغواء قد يراه البعض بسيطاً، ويراه شخص بعينه قمة الملذات، لدرجة التضحية بالحياة من أجله.
إغواءُ وجود السلاح، وغريزة مندثرة في الرغبة في القتل، يستيقظان فجأة وبوجود المتاح لتطبيقهما - كتوافر السلاح قريباً وسهلاً - وأخْذُ الناسَ على غِرة هو ما يوفر البيئة لكي تنضج الرغبة ويكتمل الإغواء وينقفل فصٌّ مهمٌ في الدماغ هو ''الفصّ الجبهوي'' الذي مسؤوليته مد الإنسان بالحكمة والفكر المتوازن والتحسب المنطقي، ليقوم الفرد بعمل لا تفسير له.. بينما يكون مَن يقتل الناس لو بلحظات هي لحظات مَن فرط تلذذه بها يعطيها بلا أي تفكير ولا تردّد كامل حياته، هذا ما فعله كل القتلة الذين يباغتون الأبرياء، وليس من أجل أهداف يدعونها، ولكن للذةٍ وحشيةٍ غريزيةٍ تستيقظ بدواع لا نفهمها ثم يكون كل هم القاتل وكل حلمه أن يفجّر أو يقتل في الجموع ليبلغ انتشاءً يعطيه كل كمية اللذة التي يحتاج إليها في حياته. ويثبت أن باختفاء البيئة المتاحة تخف طاقة الإغواء، وهذا الذي يجعل مكاناً آمن من مكان.
الآن في شمال باكستان أكبر سوق سلاح غير قانونية ولا منظمة، ولا تستطيع السلطات أن تمنعها لتضخمها. وجود السلاح خلق الرغبة في اقتناء السلاح، وعندما يملك البشري سلاحاً تبدأ تستيقظ عنده شهوة القتل، حتى ولو كانت بصورة المبالغة في الدفاع عن النفس، لذا لن تهدأ أفغانستان ولا شمال باكستان وانتقلت لبلوشستان عداءاتٌ وقتلٌ بين الناس ليس لدواعي الحرب أو العقائد، بل للتصفيات العائلية والقبلية، وأحيانا حتى في المزاح الغليظ.
الروسي العجيب ''بوتين'' والذي وصل بالديمقراطية لسدة رئاسة واحدة من أقوى دول العالم قام قبل يومين بإصدار قانون غريب تعدّى فيه صلف القياصرة الغابرين، اعتبر أي مؤسسة مدنية تتلقى معونات خارجية، وهو تقليد متبع في كل العالم كالجهات التي تمولها إدارات مختصّة في الأمم المتحدة، غير قانونية، وخارجة عن النظام.. يعني خائنة. ولم نر حجماً من الدكتاتورية يأتي بباقة واحدة بلحظة واحدة كما فعل ''بوتين''، وسنرى إن كانت العواقب ستكون وبالاً عليه أم ضبطاً قهرياً لمصلحته.. لأن غريزة التسلط المرضي غلبت على عقله واستيقظت غريزة المحارب الحارس للقبيلة في سالف الأوان. ما يهمنا أن ''بوتين'' قبل سنتين يوم كان رئيس وزراء افتتح ''بازارا'' بالمعنى الحرفي لما نسميه شعبيا بسوق الحراج، للأسلحة، وليس فقط الأسلحة العادية، بل أكثر الأسلحة تطوراًَ وتقنية ودقة التدمير يحملها شخص واحد أو فرقة خفيفة، وفي ممراته تجد سوريين يدورون لاختيار الأسلحة، وترى أفارقة وآسيويين، وكل من تحركهم آلة القتل، لما قرأت تقريراً كاملاً أحمّله على مسؤولية ''التايم'' الأمريكية التي وثّقته بتقرير وصور، رأيت الإغواءَ وقد صار حراجاً.. حراج تدمير الإنسان للإنسان تلذذاً ومبادرة.
من يتبوأون السلطة ويبدون عاديين مثلنا، ما إن يتساووا على عروشهم بلا رقيب ولا حسيب ويبدأ بخور التأليه والنفاق حولهم تتوافر عوامل الإغواء لواحدة من أشر شرور: تعسف السلطة.
ثم.. تعرفون الباقي!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي