الرأي والضيم

الذين خاضوا تجارب الحوار والنقاش هنا أو هناك، لا بد أن يكتشفوا أن مفهوم التعددية ـ عربيا ـ يغلب عليه طابع واحد يتمثل في السماع والموافقة.
أما الاختلاف في وجهات النظر، فإنه وإن بدأ هادئا سرعان ما يأخذ مسارات عصبية تنتهي بالتهديد وتوجيه كلمات الانتقاص والتخوين.
انحراف الحوار من كونه نقاشا يقبل أكثر من وجهة نظر، إلى مصارعة ثيران على الطريقة الإسبانية، يقلب الصورة، فالمطلوب في هذه الحالة أن يتحول إلى (ماتادور) أو مصارع ثيران، يغرس حربته في الجسد بمنتهى الشراسة كي ينجو من الموت تحت الأقدام.
هذه الصورة البشعة، تجسد واقع حال الإنسان الذي يقرر أن يقول رأيه، منتظرا من محاوره أن يبادله الرأي اتفاقا واختلافا مع المحافظة على الاحترام. لكنه سرعان ما يتعرض لكمية من الكلمات والعبارات التي تستهدف في النهاية كل شيء إلا تفكيك الفكرة موضوع النقاش. إذ من السائد والشائع أن التعامل مع الأفكار يتم من خلال التصويب في كل الاتجاهات بهدف إحداث نوع من القتل المعنوي لمن يحاول التغريد خارج السرب.
لقد أصبح من النادر أن يطرح الإنسان رأيا، ويخرج سالما دون أن تناله لعنة من هنا أو كلمة نابية من هناك. وفي الغالب فإن الآخر سرعان ما ينتصر لنفسه باستجلاب أقذع الكلمات المعروضة في الشارع.
باختصار: ما لم تكن قيمة الرأي الآخر عالية، باعتباره وجهة نظر، لا يمكن للآفاق أن تغدو رحبة، ولا يمكن للمناخ أن يتقبل طقوس التغيير الإنساني بشكل طبيعي. وربما هذه هي المعضلة الأكبر التي تواجه العالم العربي حاليا، فالمنتصر يستنسخ الأسلوب القديم نفسه الذي كان يشكو منه حينما كان يمارس الفرجة وهو يعاني الضيم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي