مختصون: المصارف تتحوط من الانكشاف على مخاطر القروض العقارية
أكد مختصون ماليون وعقاريون أن المصارف ستكون أكثر تحوطاً خلال الفترة المقبلة بعد تطبيق نظام الرهن العقاري بشكل كامل وظهور لوائحه التنظيمية، كما أنها ستكون أكثر حذراً تجاه الإفراط في منح الائتمان وتقوم بتمويل الشركات الجيدة وتبتعد عن الدخول في أية عمليات إقراض سواء كانت للأفراد أو الشركات التي قد تعرضها للانكشاف على مخاطر التعثر عن السداد.
ويرى المختصون أن السوق السعودية العقارية في حاجة إلى أكثر من تريليون ريال كبرامج عقارية في الوقت الحالي لتأمين المساكن للمواطنين، خاصة أولئك الذين يزيد عددهم على 2.3 مليون مواطن ما زالوا يقبعون في قوائم الانتظار في صندوق التنمية العقارية، الذي يعد إحدى أهم جهات توفير المسكن للسعوديين، خاصة بعد تدني حجم برامج التمويل لدى المصارف والتي لم تتجاوز نحو 31 مليار خلال الربع الأول من عام 2012، وكذلك عدم وضوح الرؤية بشكل كامل لإستراتيجية وخطط وموعد تسليم المساكن للمواطنين من قبل وزارة الإسكان.
#2# #3#
وأشار المختصون أن المصارف لو توسعت في برامج التمويل العقاري بشكل كبير، فإنها لن تستطيع الصمود أمام حجم الديون التي ستتكبدها نتيجة التعثر لأكثر من عشر سنوات، لافتين إلى أنها يجب أن تتذكر دروس الماضي جيداً، خاصة ما حدث في عهد الملك فيصل – رحمه الله – وكذلك ما حدث عام 2006 في السعودية عندما انهار سوق الأسهم، والذي جعل من المواطنين يتعثرون عن سداد القروض التي حصلوا عليها من المصارف نتيجة عدم كفاءة ملاءتهم المالية على تحمل ذلك القسط الشهري للذين هم ليسوا عازفين عن سداده إلا لأنهم عجزوا ماديا نتيجة خسائرهم.
وقال الدكتور علي التواتي، أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز والمحلل الإستراتيجي: ''المساكن في السعودية في الوقت الحالي تقدم عن طريق ثلاث جهات حكومة وأهلية، وذلك إما عن طريق صندوق التنمية العقاري على هيئة قروض دون فوائد وأجل يصل إلى 25 عاما مع شموله بعض المكرمات الملكية من آن إلى آخر، أو عن طريق المصارف عن طريق برامج تمويل أو عن طريق وزارة الإسكان التي لم يلحظ لها أية بداية فعلية لتسليم المساكن للمواطنين الذين لم تحدد بعد شريحتهم أو آلية تسليمهم أو الإستراتيجية التي سيعملون بها والتي تحدد احتياجات الأسر''.
ولفت التواتي إلى أن نظام التمويل العقاري الذي أقره مجلس الوزراء أخيراً لم توضح بعد آليته أو تظهر له اللائحة التفسيرية أو التنظيمية، مشيراً إلى أن اقتصار ضمان صندوق التنمية العقاري حسبما وصفته وزارة المالية بأنه يقوم بدور الداعم الحكومي للنظام وذلك من خلال تخصيص جزء من ميزانيته كضمانات ومعونات لدعم التمويل العقاري لمستحقي الدعم فقط، هو أمر غير مرغوب فيه وغير إيجابي، ومن المفترض أن يكون لكافة المواطنين المستحقين للسكن دون استثناء، وذلك حتى لا تكون هناك مجاملات أو محسوبيات في الأمر.
وتابع التواتي: ''ما أعلنته لجنة الإعلام والتوعية المصرفية في المصارف السعودية حيال تقديم المصارف السعودية خلال الربع الأول من العام الجاري 2012 نحو31 مليار ريال كتمويل عقاري، هو رقم متواضع جداً، ويمكن أن يقوم به مصرف واحد فقط''، مفيداً بأن المصارف والمؤسسات المالية تريد أن تتأكد من الضمانات التي يقدمها الرهن العقاري المسجل والأنظمة الأربعة الأخرى المساندة التي أقرت أخيراً، والتي من أهمها النظام التنفيذي الذي سيشجع المصارف على الدخول في منظومة التمويل العقاري بشكل أكبر متى وجدت أن النظام يحمي مصالحها ويكفل لها استعادة حقوقها.
ويرى أستاذ الاقتصاد في جماعة الملك عبد العزيز أن المصارف لن تبالغ في ردة فعلها وحجم استجابتها لمنظومة الرهن والتمويل العقاري التي أقرتها المملكة أخيراً، وذلك تحوطاً من الانكشاف على مخاطر التعثر عن السداد، وقال: ''في عهد الملك فيصل - رحمه الله – توسعت المصارف في التمويل العقاري دون ضمانات كافية ما جعل بعض تلك المصارف تشرف على الإفلاس، ما دفع الملك حينها إلى التدخل ومنع المصارف من التمويل العقاري في تلك الفترة التي شهدت أيضاً تخلي بعضها عن أذرعتها الاستثمارية العقارية وفصلها عن عمليات المصرف الأخرى''، مردفاً: ''في حالة وجود هبوط عام للنشاط الاقتصادي وهبوط عام في دخول الأفراد الذين يشملهم نظام الرهن العقاري، فإن أزمة الرهن العقاري التي حصلت في أمريكا سيتكرر مشهدها في السعودية، خاصة أن الراهنين هناك لم يريدوا حدوث الأزمة، لأنهم مجبرون على عدم السداد نظراً لخسارتهم وظائف بسبب الأزمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008.
وأردف التواتي: ''المصارف ستتحوط بكل تأكيد لتجنب انكشافها على التعثر عن السداد كما حصل عام 2006 في السعودية عندما انهارت سوق الأسهم، ما جعل المواطنين يتعثرون في سداد القروض التي حصلوا عليها من المصارف نتيجة عدم كفاءة ملاءتهم المالية لتحمل ذلك القسط الشهري الذي هم ليسوا عازفين عن سداده إلا لأنهم عجزوا ماديا''، لافتاً إلى أن الحل الأمثل الذي من خلاله سيدفع المصارف إلى التوسع في تمويلها المواطنين، هو أن يقوم صندوق التنمية العقاري بضمان جميع المواطنين الذين يحصلون على قروض لشراء مسكن دون استثناء، وعليه أن يتحمل كافة نسب الفوائد نيابة عن الموطن من أجل العدالة الاجتماعية، وأن يتحمل الصندوق دفع كافة ما يترتب على المواطن من مبالغ شملتها المكرمات الملكية والإعفاءات التي دائماً ما تحدث بين فترة وأخرى، إضافة إلى تحمله إعفاء المواطنين من نسبة 20 في المائة من قيمة القروض كما يحدث في الوقت الحالي للمنتظمين في السداد.
من جهته يرى عبد الله بن سعد الأحمري، رئيس لجنة التثمين والمزادات العقارية في الغرفة التجارية الصناعية في جدة، أن المصارف السعودية لن تصمد طويلاً أمام تلبية احتياجات المواطنين من برامج التمويل العقاري، خاصة أن ما أعلن عنه أخيراً من أن حجم التمويل العقاري خلال الربع الأول من العام الجاري بلغ أكثر من 31 مليار ريال، وهو رقم ضئيل أمام احتياجات السوق من برامج التمويل التي يتجاوز حجمها في الوقت الحالي نحو 1.25 تريليون ريال.
وقال الأحمري: ''المصارف السعودية لا تريد تكرار تجربة انكشاف بعض المصارف الخليجية وأخرى عالمية على التعثر عن السداد من قبل المواطنين الذين لن يستطيعوا الإيفاء بالأقساط المترتبة عليهم خاصة ذوي الدخل المحدود''، لافتاً إلى أنه يتوقع أن تشهد المصارف زيادة حجم الإقراض لديها، فتلك القروض ستكون قروضا مستوفاة السداد على المدى القصير. أما القروض التي ستكون مستوفاة السداد على المديين المتوسط أو البعيد، فإنها ستقع على عاتق صندوق تنمية الموارد البشرية الذي سيكون بمثابة الضامن لمستحق التمويل وفق آلية الصندوق ونظامه.
وأشار الأحمري إلى أن المصارف أن تحركت بشكل موسع تجاه إقراض المواطنين بشكل كبير ضمن برامج التمويل العقاري، فإنها لن تصمد أمام ذلك أكثر من عشرة أعوام، مفيداً بأن على المصارف إن أرادت أن تسهم في حل معضلة أزمة الإسكان في السعودية أن تتجه إلى عقد شراكات مع المستثمرين والمطورين العقاريين، وأن تعمل على دعمهم وتمويلهم بشكل أكبر، حتى تتم تغطية حاجة السوق من المساكن وتشهد السوق تصحيحا فعليا في وضعه الذي يشهد تأزما في الوقت الحالي، خاصة بعد ارتفاع أسعار الأراضي وبلوغها مستويات لا يستطيع مجاراتها راغب السكن.
وأفاد الأحمري بأن هناك أكثر من 2.3 مليون مواطن سعودي ما زالوا يقبعون في قوائم انتظار صندوق التنمية العقاري، وهم بحاجة إلى نحو 500 ألف ريال كحد أدنى كقرض من أجل تأمين المسكن لهم، مستدركاً: ''السوق السعودية تستوعب أي عدد من المساكن، نظراً لنسبة النمو السكاني السنوي المرتفع في السعودية، وهي البلد التي يشكل النسبة العظمى فيها فئة الشباب''.
وكشف الأحمري أن المستثمرين في المجال العقاري في الوقت الحاضر بدؤوا تغيير خططهم وإستراتيجياتهم تجاه السوق، خاصة أن التوقعات تشير إلى أن السوق خلال عشرة أعوام ستصل مرحلة امتلاك كل مواطن مسكنا خاصا، وقال: ''في جدة الآن نشهد تحول بعض المستثمرين إلى تأجير شققهم بالنظام المنتهي بالتملك وهو النظام المفضل لدى المواطنين، بينما الملاك الذين يريدون بيع شققهم بنظام السداد الكامل والتي تشهد في الوقت الحالي فائضاً في السوق وهي غير مرغوب فيها، ومن المتوقع أن تشهد هبوطاً في أسعارها نظراً لرغبة بعض الملاك في سداد المستحقات المترتبة عليهم''.
وتابع الأحمري: ''باختصار يمكن القول إنه مهما كابر الملاك والمستثمرون، إلا أنهم سيتجهون إلى كسب رضا المستأجرين بخلاف ما كانت عليه القاعدة السابقة التي كانت تنص على أن المالك هو صاحب اليد العليا على المستأجر الذي كان يقع تحت مطرقة زيادة الأسعار وسندان التنقلات من حي إلى آخر بحثاً عن الإيجار الأرخص''.
ودعا الأحمري شركات التمويل العقاري التي ستدخل السوق الآن بعد إقرار منظومة الرهن العقاري، إلى عدم مبالغتها في فرض نسب الأرباح على المقترضين، وأن تعتمد على النسبة الكلية لقيمة القرض وألا تلجأ إلى احتساب النسب الربحية التراكمية التي سترهق كاهل ذوي الدخل المحدود والمتوسط، مجدداً دعوته الجميع إلى التريث حتى تصدر اللوائح التنظيمية لمنظومة الرهن العقاري ومدى قدرتها على ضبط السوق العقارية.
وزاد الأحمري: ''الهدف من منظومة الرهن العقاري هو تصحيح وضع السوق، ونحن نلحظ في الوقت الحالي موجة لبداية التصحيح، وذلك على الرغم من قيام تلك التكتلات العقارية التي تريد أن تحبط القرار وتسعى إلى عدم تحقيقه إلى النجاح وترفض أي هبوط معلن للسوق حتى لو كان ذلك يحدث بالفعل''، مفيداً بأن السوق تشهد عمليات تصريف للعقارات في الوقت الحالي، وعلى الجانب الآخر هناك من بدأ تجميع العقارات لاحتكارها.
وعلى الصعيد ذاته قال الدكتور عبد الله المغلوث، عضو اللجنة العقارية في غرفة الرياض: ''السوق السعودية تعد من الأسواق الواعدة في النشاط العقاري، ولكن لن يتم لها النجاح بالشكل المطلوب ما لم تكن مدعومة من مصرف أو شركات تمويل للأفراد بشكل عام، حيث لا يوجد في المملكة من يدعم المواطنين بقروض سكنية دون فوائد سوى صندوق التنمية العقارية، وهو الأمر الذي معه لا يمكن أن تحل أزمة الإسكان السعودية خاصة في ظل تفاقم حجم العدد في قوائم انتظار الصندوق، وتدني دخول نسبة كبرى من المواطنين وبلوغها مستويات لا تمكنهم من الاقتراض للبناء أو شراء الأراضي التي وصلت أسعارها مستويات متضخمة جداً''.
وتابع المغلوث: ''رغم تصريحات الجهات المصرفية ببلوغ حجم التمويل الموجه إلى القطاع العقاري أكثر من 31 مليار ريال، إلا أنها لم تحقق رغبات غالبية المواطنين، حيث إن السوق بحاجة إلى أكثر بكثير من ذلك الرقم، خاصة أن النسبة الأكبر من السكان هم بحاجة إلى وحدات سكنية، وأن رواتبهم لا تكفيهم لبناء أو شراء مساكن جاهزة''.
وقدر المغلوث حجم الاحتياج من الوحدات السكنية بشكل سنوي في المدن الكبرى كالرياض وجدة ومكة المكرمة والدمام، بنحو 300 ألف وحدة سكنية موزعة فيما بينها حسب الحجم السكاني لكل منها''، مفيداً أن نسبة النمو السكاني في السعودية الذي يصل سنوياً إلى ستة في المائة، يجب أن ينظر له بعين الاعتبار، خاصة أن شريحة الشباب في المجتمع تشكل النسبة الكبرى له، والذي لا بد له من مواجهة حقيقية.
ويرى المغلوث أن سعر الوحدة السكنية في أدنى الحدود والتي قد تسد حاجات المواطن، تصل إلى نحو نصف مليون ريال، داعياً إلى شراكة إستراتيجية بين المصارف وشركات التمويل والمستثمرين العقاريين، بحيث يقوم الأخير بتوفير المخططات المتوافرة بها خدمات البنى التحتية والواقعة داخل النطاق العمراني، بينما تتولى جهات التمويل مسألة إقراض المواطنين، على أن يكون ذلك بنسب ربحية للقروض لا تتجاوز 2.5 في المائة من القيمة الكلية لمبلغ القرض، وليس عن طريق النسب الربحية المركبة التي ستدفع بالمقترضين إلى التعثر، ما سيجعل تلك الجهات التمويلية تنكشف على الديون المتعثر سدادها. ولم يستبعد المغلوث أن تشهد القوائم المالية للمصارف السعودية ارتفاعا في حجم القروض المخصصة للقطاع العقاري في نهاية العام الجاري، لتصل إلى نحو 60 مليار ريال كحد أدنى، عازياً الأمر إلى أقرار منظومة الرهن العقاري التي ستمنح المصارف مزيداً من الضمانات لاسترداد حقوقها، والتي ستأخذ فترة للتطبيق تحتاج إلى ستة أشهر مقبلة للبدء في تنفيذها.