رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


نحو إلغاء مفهوم خدمة المجتمع في الجامعات

في الجامعات يتحدثون دائما عن التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع. وبصدق فإنني لا أعرف لهذه الأخيرة (أي خدمة المجتمع) معني عندنا ولعله خلل قديم عندي، ذلك أنني لم أفهم حتى الآن ما هو الفرق بينها وبين التعليم والبحث العلمي، خاصة أنها خدمات يجب أن تكون موجهة للمجتمع. ولعل هذا الفصل النكد هو الذي قاد جامعاتنا العريقة لتبحث عن التصنيفات العالمية حتى لو لم يكن لذلك البحث والتصنيف قيمة حقيقية يستفيد منها المجتمع. فلقد درست وزرت جامعات عالمية وفهمت هناك معنى البحث العلمي في خدمة المجتمع، ولطالما سُئلت أثناء دراستي وأبحاثي للدراسات العليا والترقية العلمية عن المردود الحقيقي للمجتمع من ذلك البحث والمنهج الدراسي. ولقد شاهدت بنفسي حجم الفزع الذي انتاب الجامعات البريطانية مع انتشار مرض الحمى القلاعية وجنون البقر، وكيف جندت كل ما تستطيع لحماية نفسها والمجتمع المحيط بها. ورأيت الجامعة وهي تبني مساكن تؤجرها على المجتمع ورأيت طلابها في عمل محموم لترتيب حدائق المدينة وطلاب الهندسة يخططون لبناء جسر للمشاة ورصيف خاص بها في ''المارينا''. وفي المقابل عملت لفترة على دارسة الخطط الاستراتيجية للجامعات السعودية وطرق الحكم فيها، وهالتني تلك الرؤى العظيمة التي تضعها الجامعات السعودية في خططها وخاصة الناشئة منها، فمن أفضل جامعة في العالم إلى الريادة العالمية والتميز في كل المجالات والأقسام، في التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع. ثم لما تبحر وتبحث أكثر عن رؤية الجامعة في داخل الكليات والأقسام ترى ''ومرة أخرى'' أفضل كلية في العالم والقسم المتميز على وجه البسيطة. ودائما تجد الفصل بين التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع متغلغلا داخل الجامعة وفي فكر جميع منسوبيها.
ولا مشاحة في ذلك، فالطموح مشروع وحق للجميع لكن التخطيط الاستراتيجي يصبح جريمة إذا لم يكن لكل كلمة فيه معنى واضحا يتحول إلى رسالة عمل والتزام صارم بخطط تنفيذية. فإذا أخذتك العزة بصدق الخطة الاستراتيجية للجامعة السعودية وذهبت بعيدا لترى التنفيذ فإن ''الطموح'' يختفي في الطريق ولم يعد هناك معنى واضحا لكلمة ''أفضل'' وأنت تتعثر في درجات مكسورة داخل الجامعة منذ سنة لم يلتفت إلى إصلاحها أحد، بل تجد أمامك وفي كل ممر ثلاثة مفاهيم في تكرار ممل كما أكررها في مقالي هذا بملل ''التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع''، ثلاثة مفاهيم تتصارع في الجامعات السعودية في انفصال نكد بين مفاهيم مترابطة جدا، مفاهيم تم سلخها من مدلولاتها الحقيقية فأصبحت مجرد رتوش في لوحات جدارية يسمونها رؤية وخططا.
هل أخذتك طرق السفر يوما ومررت بجامعة ناشئة أو غيرها، هل أخذك الربيع إلى أن تقترب من جامعة الجوف والمجمعة والخرج وفروعها حتى وادي الدواسر، هل أخذك الصيف لترى جامعة الطائف والباحة والملك خالد في أبها وفروعها حتى بيشة. هل أخذك الشتاء لتزور جامعات مثل جازان ونجران. ماذا رأيت أو ماذا توقعت أن ترى؟ لن أملي عليك خياراتي عزيزي القارئ لكنني واثق بأنك ستكتشف وببساطة مدى انعزال الجامعات عن مجتمعها إلا في حدود هامشية من إعلانات عن دورات تدريبية تنافس فيها الجامعة مكاتب التدريب الصغيرة جدا وفي حدود منطقتها فقط. على أنهم يضعون تلك الإعلانات الهامشية جدا كأحد أبرز الإنجازات الاستراتيجية فيما يسمونه ''ظلما'' بخدمة المجتمع. لكن هل نظرت قريبا من الجامعة، من حرمها وحدوده، من الطريق المؤدي إليها، من رصيفه، من المحال التي تتراص على جانبيه. ماذا رأيت وماذا تتوقع أن ترى؟ طريق إلى جامعة أم إلى مقبرة، على أن الطريق إلى المقابر يعكس دائما جوهر معناه، لكن الطريق إلى الجامعة ماذا عكس؟ جوهر معناها أو حقيقة ما يحصل فيها من موت لخدمة المجتمع ومقبرته.
ليست الدورات التدريبية والدبلومات الفرعية من أعمال خدمة مجتمع المنفصلة عن خدمات الجامعة في التعليم والبحث العلمي. لا أعتقد أنه يمكن الفصل بين هذه المفاهيم بهذه البساطة لتتنازعها عمادات أصبح عددها أكثر من عدد أعضاء هيئة التدريس المؤهلين فيها. إن خللا مفاهيميا خطيرا تطور وتعمق يوما بعد يوم حتى أصبح مجرد التفكير خارج صندوقه إثم وجهل بالعمل الأكاديمي والجامعي قد لا يغتفر. خلل جعلنا نضع مسؤوليات الجامعة الكبرى تجاه مجتمعها وتنميته وحماية بيئته مجرد خدمة ''تتبرع'' بها الجامعة على حين غرة. وكأنها الرجل الغني في عالم من الجهل والفقر يخشى إن أغدق على الفقراء فيه أن يكسروا عليه بابه، لذلك انعزل عنهم في أعلى قمة الجبل يسب فقرهم وينعى جهلهم.
إننا في حاجة لوقفه جادة ومسؤولة تجاه دور الجامعة في مجتمعها ومحيطها سواء البيئي أو الاجتماعي. نظره تتناسب مع المفاهيم العالمية التي تطورت وتقدمت في هذا الشأن. فإلغاء عمادة خدمة المجتمع بل مفهوم خدمة المجتمع برمته أصبح - في اعتقادي - ضرورة حضارية اليوم، وبدلا من ذلك يجب أن تستخدم الجامعات مفاهيم المسؤولية الشاملة عن التنمية البيئية والاجتماعية وتنشئ لها إدارات أو عمادات متخصصة من مهنيين متخصصين تستقطبهم الجامعة بأي ثمن ليعملوا على تحديد إطار واضح وشامل لمسؤولية الجامعة عن البيئة ومسؤوليتها الاجتماعية ويعملون على أن تضطلع الجامعة بكل ذلك. فهي مسؤولية كبرى وليست مجرد خدمة وتبرعات عامة. مسؤولية تامة وشاملة عما يدور في المجتمع من أفكار وانحرافات. ومسؤولية كاملة عن كل طرح وكل فكر ضال أو حتى متزن. مسؤولية البحث الجاد عن أسباب نشوء هذه الأفكار في محيط الجامعة وعن الاتجاه الصحيح للعلاج والعمل مع كل الأجهزة على تصحيح الخلل وتعزيز المفهوم الحسن. مسؤولية شاملة عن المحال الصغيرة والمتوسطة التي تعمل في محيط الجامعة عن تنميتها عن دعمها عن إصلاحها من جميع النواحي لتعكس فكر الجامعة وتطور مناهجها. مسؤولية شاملة عن الطريق الذي يصل للجامعة عن الرصيف والأشجار والجسور والبيئة والنظافة. مسؤولية شاملة حتى عن سلوك الطلاب في الطريق وطريقة قيادة السيارات وحتى الوقوف حول الجامعة. مسؤولية شاملة عن التيارات والمذاهب الفكرية وتطورها وتحولها إلى تنظيمات سياسية أو عسكرية، مسؤولية عن كل جزئية صغيرة كانت أم كبيرة يُستدعى فيها كل متخصص مسؤول وأستاذ في الجامعة. مسؤولية بيئية واجتماعية تبدأ من رؤية الجامعة ثم تتغلغل في كلياتها وأقسامها وعمادتها المساندة حتى تصبح ثقافتها وثقافة أساتذتها وطلابها، فالجميع في الجامعة مسؤول عن تنمية هذا البلد فكريا واجتماعيا وبيئيا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي