مطالب القضاة .. إلى أين؟
بحثت في الشبكة العنكبوتية عن مطالبات القضاة، إعداداً لكتابة هذا المقال. فوجدت أمراً لم أكن أتوقعه. القضاة في مصر يطالبون بالتدريب والتطوير. قضاة المغرب يطالبون باستقلال القضاء وضرورة الفصل بين السلطات بما يحمي قرار القاضي من تدخلات الجهات التنفيذية. قضاة في تونس يطالبون بمحاربة الرشوة في النظام القضائي. أما قضاة اليمن فيطالبون بالنزاهة والاستقامة كشروط لاختيار وترشيح القضاة وتكليف جهة رقابية تضمن التأكد من سلوك والتزام القضاة.
أعدت البحث لأصل إلى مبتغاي وهو ما حواه العدد 6845 من جريدة ''الاقتصادية'' من مطالبات قضاة المملكة في لقائهم مع فضيلة وزير العدل الذي نظم في فندق انتركونتننتال في الطائف. المطالب كان عددها 37، عدد كبير منها كان احترافياً ويهدف لتسهيل العمل وتقليل الإجراءات وتحقيق هدف الدولة من إنشاء مرفق القضاء وهو ضمان العدالة في التقاضي.
لكن الإعلام يبحث عن المعلومة الغريبة أو الجاذبة للقارئ. مطَالَبة القضاة بتقسيم إجراءات القضية، أو تنظيم برامج التدريب للمعينين حديثاً، أو إيجاد أدلة إرشادية للعمل، أمور يتوقعها القارئ في لقاء كهذا. ولا يهم الإعلام كونه جزءاً من مهمة أي جهة في تطوير الإجراءات والتعليمات وأساليب العمل.
جذبت مطالب القضاة ذات الطابع المادي والاجتماعي الكثير من القراءات والتغريدات والملاحظات. المفهوم الإسلامي ينظر للقاضي على أنه يمثل قيم الدين، فهو خريج كلية الشريعة، ويشترط أن يكون متمكناً في العلوم الشرعية ومطلعاً على سير أعلام الأمة وقضاتها على مر العصور.
يفترض ألا يكون هذا القاضي، في رأي الكثيرين وأنا منهم، مادياً أو باحثاً عن ''البرستيج''. ذلك أن أسلافه من علماء الأمة وقضاتها كانوا مثالاً للزهد في الحياة الدنيا وزخرفها، ولا غرو فهم يسيرون على خطى محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين.
أسفت عندما قرأت أن قضاة وطني يطالبون بأن ترفع قيمة السيارات المصروفة لهم، أو إعطائهم أولوية في الحجز على الخطوط السعودية، أو تفضيلهم على غيرهم في التعاملات الحكومية وإنهاء الإجراءات. هذا إضافة إلى المطالبات بالعمل الإضافي، الذي يفترض ألا يصدر من مستوى معين من الناس كالقضاة. كنت وما زلت مقتنعاً أن المحاكم لو عملت ست ساعات في اليوم لأدت الغرض ولما تعطلت المعاملات والقضايا.
ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها المطالب المادية. فرغم أن القضاة أعلى موظفي الدولة دخولاً، وهذا مثبت في سلم رواتب القضاة. كما يتقاضون بدلات انتداب أعلى من غيرهم من موظفي الدولة، إلا أن الفريق المشترك بين المجلس الأعلى للقضاء وديوان المظالم عرض مشروع الشؤون الوظيفية للقضاة الذي احتوى مزايا شملت:
ــــ منح القاضي بدلات تعادل ضعف راتبه.
ــــ رفع قيمة السيارة المصروفة لتصل في بعض الفئات إلى 300 ألف ريال.
ــــ صرف مكافأة للشخص الذي يعتبر ملائماً للعمل في السلك القضائي بدل تعيين قدره 300 ألف ريال. إضافة إلى بدل تعيين يبلغ ثلاثة رواتب.
ــــ يمنح المشروع القاضي كذلك قرضا قيمته مليون ريال دون فوائد يعفى من سداد القرض إذا انتهت خدمته لأسباب غير تأديبية، وأرضا مساحتها خمسة آلاف مترمربع نصفها وهو على رأس العمل والآخر بعد انتهاء خدمته.
ــــ يحصل القاضي على تعويض عن جميع إجازاته التي لم يتمتع بها بناء على آخر راتب تقاضاه وهو أمر حرم منه جميع العاملين في الدولة، ماعدا القضاة والوزراء وموظفي المرتبة الممتازة.
هل أقر هذا المشروع أم لا، أمر لا أعلمه شخصياً. لكنني بعد هذا كله أتساءل، إلى أين يسير مرفق القضاء؟
ــــ لماذا لم يناقش المجتمعون شكاوى المتقاضين من التعطيل والمماطلة والتسويف وتأجيل القضايا دون مراعاة لظروفهم؟
ــــ كيف ناقش القضاة رغباتهم ولم يفكروا في إيجاد حلول لتقاضي المرأة واضطرارها للسفر من مدينة إلى أخرى لأخذ حقها الشرعي، برغم حرص الشرع على المرأة وحقوقها وحمايتها من استغلال الرجل وتسويفه وامتناعه عن الحضور خصوصاً في قضايا الطلاق والحضانة؟
ــــ لماذا لم يفكر أحد المداخلين في اقتراح إيجاد مكاتب للضمان الاجتماعي داخل المحاكم لإنهاء إجراءات المحتاجين له بدل التفكير بنادي القضاة؟
ــــ لماذا لم يعرض أحد مفهوم حسن الخلق في التعامل مع المتقاضين واحترام إنسانية الواقفين أو الجالسين أمام القاضي؟
ــــ لماذا لم يعرض أحد الإساءات التي يتعرض لها سلك القضاء في وسائل الإعلام وأسبابها وطرق علاجها؟
ــــ لماذا لم يذكر أحد المصائب التي ظهرت في قضايا سيول جدة وحالات البيع والتلاعب في المخططات والأراضي وطرق وقفها؟
ــــ لماذا لم يفكر أحد في تبني تركيب كاميرات مراقبة ووسائل حديثة لتسجيل ما يدور داخل قاعة المحكمة لحفظ حقوق الناس؟
ــــ ولماذا لم يفكر أحد في المطالبة بتسريع إدراج التعاملات الإلكترونية في المحاكم، ومن ضمنها تحديد المواعيد وإبلاغ المتقاضين بتعديلات مواعيدهم وظروف الجلسات قبل أن يتجشموا عناء السفر للحضور؟
أخيراً أتساءل، كيف رضي أصحاب الفضيلة أن يناقشوا قضايا كهذه مع وزير العدل؟ ولم يفكروا في مناقشة استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية التي تمثلها الوزارة! ومعلوم أن عدم وجود حدود بين السلطات يؤدي إلى ضياع العدالة ونحن منفردون به عن كل دول العالم.