الرهن العقاري ومخاطره
إقرار نظام الرهن العقاري خطوة جيدة في طريق تنظيم الاستثمار العقاري والاستثمار بوجه عام. وسيقود تبني هذا النظام إلى تحديد التزامات وحقوق الأطراف الدائنة والمدينة بطريقة نظامية وواضحة. وهو إصلاح قانوني بالدرجة الأولى، ويخدم طرفي الإقراض، ما سيسهم في خفض مخاطر الإقراض العقاري والإقراض بوجه عام، خصوصاً بالنسبة للمقرضين. وخفض مخاطر الإقراض سيقود إلى تشجيع منح الائتمان وتدفق الموارد نحو استخدام الرهن العقاري كضمان للقروض الممنوحة لتملك العقار أو أية أسباب أخرى. ومن المتوقع أن يقود التطبيق السليم للرهن العقاري إلى خفض مخاطر الإقراض العقاري الذي سييسر من منح الائتمان للقطاع العقاري، كما سيسهم بدوره في الحد من تكاليف منحه ولو بنسب ضئيلة. وهذا قد يخفض في حالة وجود منافسة جيدة في الأسواق المالية من تكاليف الإقراض العقاري.
وإجمالاً، فإن إقرار نظام الرهن العقاري وتطبيقه لن يخفض تكاليف تملك الوحدات العقارية كما يظن البعض، بل إن تشجيعه الطلب الكلي على العقار سيدعم الاتجاهات الصاعدة في أسعار العقار. ويتوقف دعمه للمضاربة في العقار على ممارسات الإقراض التي ستقوم بها المصارف والمؤسسات المقرضة الأخرى. ويسيطر كبار ملاك العقار في المملكة على مجالس إدارة المصارف ومؤسسات الإقراض الأخرى ويتمتعون بنفوذ كبير عليها، وسيسعى المضاربون من ملاك العقار إلى استغلال هذا النفوذ والرهن العقاري لدعم ممارساتهم. كما ستسعى المصارف وملاك العقار إلى استغلال القروض الحكومية الهادفة إلى رفع معدلات تملك المساكن لدعم الرهن العقاري والطلب على العقار. وسيسهم الرهن العقاري في زيادة معروض الوحدات العقارية الجاهزة في حالة استغلاله لتمويل المشاريع العقارية، لكن ليس من المتوقع أن تسارع المصارف بدعم المشاريع العقارية فوق المعدلات الحالية نظراً لارتفاع مخاطر إقراض هذه المشاريع، ولهذا فإن إمكانية زيادة عرض الوحدات السكنية أو العقارية الأخرى بسبب إقرار هذا النظام تبدو ضئيلة، خصوصاً على الأمد القصير. وستكون المصارف ومؤسسات الإقراض الأخرى حذرة جداً في بداية تطبيق نظام الرهن العقاري، ولهذا ستنخفض مستويات الائتمان في الأمد القصير حتى تتضح للمتعاملين منافع ومثالب النظام بعد فترة من التطبيق الفعلي.
أما في الأمد الطويل فسيقود ارتفاع حجم القروض العقارية التي سيمنحها النظام المصرفي ومؤسسات الإقراض الأخرى بسبب الرهن العقاري إلى رفع انكشاف المصارف ومؤسسات الإقراض الأخرى على المخاطر المرتبطة بالقطاع العقاري. وهذا الانكشاف سيولد مخاطر للقطاعين المصرفي والمالي بوجه عام، خصوصاً في وجود شكوك حول ميل المصارف بدرجة كبيرة لخدمة كبار الملاك الذين يسيطرون على مجالس إداراتها. وستتفاقم المخاطر إذا تم استخدام ممارسات مضللة لتسهيل عملية الاقتراض، وفي حالة استخدام معدلات فائدة متغيرة، أو توريق القروض العقارية. وستتصاعد المخاطر مع استمرار التصديق بالوهم الكبير القائم في الأسواق الذي يتجاهل إمكانية تراجع أسعار العقار ويعتقد باستمرارها في الصعود إلى الأبد، وهذا الوهم تسبب في إحداث كوارث مالية في اليابان قبل أكثر من 20 عاماً، وما زالت اليابان تعاني حتى هذا الوقت آثار تلك الأزمة. كما تسبب هذا الوهم في الأزمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008، والتي ما زال العالم يعاني آثارها.
وللحد من المخاطر المرتبطة بالائتمان العقاري على النظام المالي والمصرفي فإن على الجهات المنظمة للائتمان العقاري، وفي مقدمتها مؤسسة النقد العربي السعودي، الحد من استخدام الرهن العقاري لدعم المضاربة في الأسواق المالية والعقارية، كما أن على المقرضين توظيف الكفاءات البشرية المناسبة القادرة على تقييم المخاطر المرتبطة بالإقراض العقاري. وأثبتت الأزمة المالية العالمية وجود نقص كبير في المعلومات والمؤشرات العقارية السليمة، لهذا فإن على الجهات الرسمية ذات الصلة توفير المعلومات والبيانات والمؤشرات العقارية المناسبة التي تزود صانعي القرار بما يحتاجون إليه لاتخاذ السياسات والقرارات السليمة. وقد تتعرض مؤسسة النقد العربي السعودي إلى ضغوط إضافية لتبني سياسات نقدية أكثر استقلالية إذا حدث توسع كبير في منح الائتمان المصرفي للقطاع العقاري، حيث إن السياسات النقدية الحالية تحد من قدرة المؤسسة على اتخاذ القرارات النقدية المناسبة في حالة تسبب الرهن العقاري في إحداث فقاعة مالية أو عقارية. إن إقرار وتفعيل نظام الرهن العقاري أمر جيد ويسد ثغرة قانونية مهمة في الأنظمة المالية، لكن هناك مخاطر محتملة على النظام المالي والمصرفي قد تأتي من تطبيقه، وهذا يتطلب تبني السياسات المناسبة وتوفير المعلومات الضرورية للحد من آثاره السلبية على الاقتصاد.