الفساد بين طلعت حافظ والمحافظ: حوار هادئ عن موضوع ساخن
أبدع طلعت حافظ - كعادته - عندما استضاف محمد الشريف محافظ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في برنامجه الذي بثته القناة السعودية الأولى مساء الثلاثاء الماضي. كان حوارا هادئا عن موضوع ساخن، وهو الفساد والخطة الإستراتيجية لهيئة مكافحته، عن رؤيتها ومستقبلها ومحاور مختلفة عدة. لقد كان نقاشا ماتعا جدا، لكنه جاء صريحا إلى حد ما بين أساتذة كبار فعلا استخدم كل منهم أفضل ما تدرب عليه من مناورات، لذا بدا واضحا لي مع نهاية اللقاء أنني لم أفهم شيئا، وأن هناك إشكالية كبيرة لم تطرح كما ينبغي ولما تحل بعد: ما الفساد الذي تبحث عنه الهيئة الآن والفساد الذي نريدها كشعب أن تبحث عنه؟ جاء هذا السؤال في ثنايا الحديث لكنه لم يطرح مباشرة على المحافظ، لذلك لم يجب عنه صراحة أيضا. دار النقاش وبحدة فيها أدب جم من الطرفين حول إستراتيجية الهيئة، خاصة أولوياتها في الفساد الذي تبحث عنه، وهل تتناسب مع أولوياتنا كشعب أرهقه الفساد؟ وبعد مناورات عدة جاء السؤال مباشرا: هل تريد الهيئة أن تصل بالمجتمع السعودي إلى المجتمع الخالي من الفساد مثلا؟ ومتى تريد تحقيق ذلك؟ وكيف؟ أم أن هناك نسبا عالمية مقبولة ونحن نسعى إلى تصنيف معين؟ وهنا لم تكن الإجابة من المحافظ واضحة بوضوح السؤال، وهو الأمر الذي كان مقلقا مع اقتراب الحوار من نهايته، ولعل طلعت لم يخف هذا القلق ولم يخيب ظني وهو يطلب من المحافظ سرعة تطوير هذه الرؤية سريعا، فالفساد يتطور وينمو كلما نما وعي المجتمعات به.
لقد شدني في ذلك الحوار الهادئ جدا ذلك الخلاف الحاد في فهم إشكالية الفساد، فعندما طلب طلعت أن تهتم الهيئة بقضايا الفساد الكبرى مثل: الغش التجاري والتستر وتعثر المشاريع والمساهمات العقارية الفاسدة وتضع أولوياتها وفقا لأهمية الموضوعات بدلا من متابعة مشكلات ثانوية ''الآن'' مثل مجاملة المدير العام، جاء رد المحافظ بأن هذه القضايا ليست من أعمال الهيئة، بل هي مسؤولية مؤسسات حكومية أخرى. وفي مناورة أخرى أشار المحافظ إلى أن الهيئة تهتم بشكل قاعات انتظار المراجعين على اعتبار أن إهمالها فساد، كما تحدث عن تطوير وتسريع الإجراءات التي تؤخر أعمال المراجعين واعتبر اكتشافها جزءا من أعمال الهيئة بينما كان على محاوره الرد دائما بأن هذه أعمال تطوير إداري وليست فسادا بالضرورة. ومرة أخرى، وكما كانت الحال طوال اللقاء، تبرز الإشكالية الكبرى في تحديد ما الفساد الذي تبحث عنه الهيئة وتصر على أنه فساد، والفساد الذي نريدها أن تبحث عنه. تحدث المحافظ أن هناك لوائح جديدة ستصدرها الهيئة ومنها لائحة النزاهة ومكافأة المبلغين، ولائحة التبليغ عن الفساد ولوائح أخرى منها ما سيجبر موظفي الدولة الذين يشغلون وظائف معينة بأن يقسموا على المحافظة على نزاهة العمل، لكن لم يكن فيما ذكره المحافظ لائحة تحدد لنا الفساد نفسه أو قائمة بالأعمال التي ستعتبر فسادا ليتم نشرها على الناس لكي نستطيع أن نتحاكم إليها قبل الشروع في التبليغ. خاصة إذا كانت قضايا مثل مجاملة المدير العام وإهمال غرفة انتظار المراجعين تعد فسادا يجب التبليغ عنه بينما قضايا الغش التجاري والتستر ليست كذلك.
من خلال الحوار التلفزيوني مع محافظ الهيئة ومن خلال الكثير من القضايا التي تطرح هنا وهناك، وليس آخرها قضية هيئة المهندسين، فإنني أعتقد ''جازما'' - ومع كل ما في كلمة ''جازما'' من خلل - أن المجتمع في حاجة إلى تثقيف حول هذه القضية بالذات، قضية ما هو الفساد، وأننا في حاجة إلى حوارات هادئة كثيرة مع الهيئة لنحل هذه الإشكالية البسيطة والحاسمة. فبعض القضايا هي في الحقيقة قضايا خلاف تفسير اللوائح القانونية أو مشكلات تطوير إداري وليست بالضرورة فسادا. بينما قضايا قد تبدو عملا إداريا روتينيا لكنها تخفي فسادا عظيما. نعم قد يكون من اختصاصات هيئة الفساد تطوير الأنظمة حتى تسد الثغرات التي اختبأ فيها فأر الفساد، لكن دورها هنا يأتي كمرحلة لاحقة بعد اكتشاف الفساد نفسه وليست مرحلة سابقة له، فلا أحد يبحث عن جحر فأر حتى يرى الفأر نفسه، ذلك أن اكتشاف الخلل الإداري قبل الفساد هو دور الموظف، وعندئذ لن يذهب إلى هيئة الفساد للتبليغ، بل لا يحق له ذلك نظاما، ولنا في نظام ديوان المراقبة خير دليل، فهو إذا اكتشف الثغرات لا يبلغ هيئة الفساد، بل يبلغ الجهة الحكومية نفسها.
عندما نحاول ترجمة الفساد إلى اللغة الإنجليزية مثلا نجد أنفسنا أمام عدة مفاهيم مثلا Corruption أو Fraud الذي يعني الغش، ومنها Irregularities، وهي كلمة معقدة تعني المخالفات وتتضمن أشياء كثيرة يصعب حصرها. بعض هذه المعاني يقتضي أن يكون للفساد أثر مالي، وبعضها ليست كذلك بالضرورة، بل يكفي أن تكون مخالفة مقصودة لمعايير أو قواعد أو قوانين الهدف منها تضليل الرأي العام. على أنه مع الممارسات في عالم المراجعة رأينا أن أية مخالفة للأنظمة والقوانين سيكون لها أثر مالي ولو كان غير مباشر. والخاصية التي تجمع كل هذه المفاهيم هي انعقاد النية للتلاعب من أجل تحقيق مصلحة خاصة، لكن ليس من بين كل هذه المفاهيم ما يدخل في قضايا التطوير الإداري، ولا إدري لماذا أصرّ المحافظ على اعتبار ذلك من أعمال الهيئة. وهنا أجد نفسي أقف إلى جانب طلعت وأشدد على محافظ الهيئة بأننا في حاجة إلى رؤية واضحة عن الفساد الذي سيطلب من المواطنين التعاون بشأنه. ولعل تعاونا مشتركا وجادا بين الحوار الوطني وهيئة مكافحة الفساد في ذلك سيكون مثمرا لفهم هذه الإشكالية وتطلعات المجتمع نحوها.