سرّ الأعضاء الوهمية

ما يحدث في الواقع قد يكون أغرب من الخيال، فكم من مرة تمنيت أن يكون لديك ألف يد ورجل لكي تستطيع إنهاء أعمالك، وهذا بالفعل ما حدث لسيدة سويسرية في العقد السادس من عمرها، فبعد أيام عدة من تعرُّضها لجلطة دماغية أخبرت أطباءها برؤيتها ليدٍ ثالثة وصفتها بأنها بيضاء وشبه شفافة تستطيع استخدامها وحك أجزاء من جسدها لا تستطيع يداها العادية الوصول إليها، مما أثار استغراب الأطباء ودهشتهم، واعتبرت أول حالة يستطيع شخص فيها أن يحس ويحرك عضواً من جسمه بإرادته رغم عدم وجود ذلك العضو في الواقع، ولا تظهر هذه اليد إلا عند الحاجة إليها!!
وخضعت هذه السيدة إلى اختبارات عدة زادت من دهشة أطبائها واستغرابهم بدل من أن تحل لهم اللغز المحير، حيث ظهرت إشارات على أجهزة المراقبة تدل على أن تحريكها يدها الوهمية حفّز مناطق الحركة في الدماغ وكأنها تحرّك إحدى يديها الفعليتين، كما وجدوا استجابة في منطقة الإبصار في قشرة الدماغ، مما يدل على أنها ترى هذه اليد بالفعل وعندما طلبوا منها أن تحك وجهها بها نشّطت هذه الحركة منطقة الإحساس باللمس في الدماغ!
واكتُشف حتى الآن تسع حالات مماثلة، قد يكون سببها أن التلف الذي حدث للمخ نتيجة الجلطة الدماغية نشّط أماكن أخرى في الدماغ وصلت إلى مستويات عالية من إدراك الذات، وأصبح الشخص يرى ويشعر بأشياء لا يمكن لغيره أن يراها مما يجعله يتفاعل مع عضو غير موجود أساساً لديه، وهذا مشابه لحالات مثبتة علميا للمرضى الذين بُتِرت أطرافهم أو في حالة تجربة العيش (خارج الجسد) التي يحصل خلالها خلل في الإدراك الحسي الجسدي فيراقب الشخص جسده وكأنه ينظر إليه من السقف.
يقول الدكتور فيلابانار راما شاندران المتخصّص في دراسة المخ والأعصاب: إن الأطراف عندما يتم بترها يستمر شعور المرضى بأن هناك ذراعاً أو ساقاً موجودة، وهذا ينطبق أيضاً على الأعضاء الداخلية مثلما حدث لمريضة تمت إزالة رحمها، ورغم ذلك ظلت تشعر بآلام وتشنجات كل شهر، وكأن رحمها لا يزال موجوداً!!
لقد وجد أن نصف المرضى الذين يشعرون بوجود أطراف وهمية يزعمون أنهم يستطيعون تحريكها والتلويح بها وحتى الرد على الهاتف، أما النصف الآخر فيشعرون بوجودها، ولكن لا يستطيعون تحريكها ويعانون آلاماً وتشنجات في أعضائهم الوهميه تؤدي بهم إلى الاكتئاب والانتحار أحياناً، ولكن بمعرفة السبب أمكن معالجتهم بطريقة بسيطة جداً وغير مكلفة، يقول راما شاندران إن السبب في الشلل والآلام أن الذراع المبتورة التي كان المريض يعاني الأعراض نفسها بوجودها تَعلم المخ منها عدم الاستجابة بما يسمى "الشلل المتَعلم" الذي أمكن التغلب عليه باستخدام صندوق المرايا، حيث يرى الشخص انعكاس يده السليمة مكان يده المبتورة وتحريكه لها يوحي للدماغ بأن يده الوهمية تتحرك أيضاً فيغير برمجة مخه ويشفى مع الوقت.
ولكن ما سبب رؤية الأعضاء الوهمية والإحساس بها؟
توصل الباحثون وفي دراسة غير مسبوقة إلى أن السبب هو جزء من الدماغ يدعى "التلفيفة الزاوية" أو "الاتصال الصدغي الجداري"، فعند تعريض هذه المنطقة لصدمات كهربائية من اليمين شعر الأشخاص وكأن أجسادهم خرجت منهم، وأخذوا يراقبون أجسادهم من الأعلى، أما عند تعريض الجهة اليسرى أحسّ المرضى بوجود كائن ظلي وراءهم، مما دلل على أن هذه المنطقة من الدماغ هي المسؤولة عن تحديد موقعنا في الفراغ وتواجد الذات والجسد في مكان واحد!.. مَن يدري قد نستيقظ يوما ونجدها أمامنا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي