رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


بعد الطائرات والأبقار.. ضريبة الشحوم!

نشرت - خلال الفترة الماضية - مجموعة من التقارير عن توجه دول الاتحاد الأوروبي لفرض ضريبة على انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من محركات الطائرات. الغريب أن الأخبار كانت تتكلم عن شراء الانبعاثات، بما يعني أن هناك سوقاً لهذه الانبعاثات، الواقع أنه مجرد اسم يهدف في النهاية لوضع سعر على طن ثاني أكسيد الكربون تدفعه شركات الطيران التي تستخدم أجواء أوروبا.
أعلنت السعودية والصين والهند وروسيا وأمريكا وعدد آخر من دول العالم، عدم استعدادها للالتزام بدفع ضريبة الكربون، التي يهدف الاتحاد الأوروبي من ورائها إلى إجبار شركات الطيران على شراء ما يوازي 15 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تنتجها محركات الطائرات، (أي 32 مليون طن)، بهدف معالجة مشكلة الاحتباس الحراري، إلا أن الاتحاد الأوروبي أكد أنه مصمم على إشراك شركات الطيران التي تقلع من الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد، أو تهبط فيها، في مشروع تجارة الكربون.
كما يتوقع القارئ الكريم، فإن أول ردة فعل لشركاتنا (الهمامة) كان الإعلان عن احتمال رفع أسعار تذاكر الرحلات المتجهة إلى أوروبا. قاد هذا الحدث إلى إيجاد تحالف من نوع مختلف هدفه تحديد نسبة الزيادة في أسعار التذاكر. أفضل تصريح كان لرئيس شركة طيران الشرق الأوسط عندما قال: يعتمد تغيير أسعار التذاكر على الضريبة المفروضة على الشركات، فإذا كانت قليلة يمكن أن تتحملها الشركة دون التأثير في المبلغ الذي يدفعه الراكب.
تعيش دول العالم على الضرائب التي تفرضها على المؤسسات والشركات والمواطنين والزوار، لكن أوروبا تجاوزتها لتضع ضرائب على الطائرات العابرة. يمكن أن يدفع شخص متوسط الدخل أكثر من 50 في المائة من دخله كضرائب مختلفة اللون والنوع والغرض. بناء عليه تكون مهمة البرلمانات تشريع الضرائب والبحث عن مصادر دخل لتسيير حركة الاقتصاد ودعم أعمال الدولة. النائب المميز هو الذي يستطيع أن يضمن إدراج ضريبة لا تضر بمواطنيه الذين يمثلهم، ولهذا ظهرت في الفترة الأخيرة ضرائب لا حصر لها، وقد يعتبرها البعض جنونية.
الأبقار لم تسلم من الضريبة. يقول تقرير مطول نشرته صحيفة ''الشرق الأوسط'' في عددها 12247 إن ضريبة الغازات التي تطلقها الأبقار ظهرت في أستراليا عام 2003، عندما أثبتت الأبحاث أن 50 في المائة من انبعاثات غاز الميثان الذي يتسبب في توسيع ثقب الأوزون تأتي من ثقوب القنوات الهضمية للأبقار. ألغيت هذه الضريبة بعد مظاهرات غاضبة من المزارعين ومربي الأبقار.
بقيت البقرة مستهدفة، ففي عام 2006 أوصت دائرة البيئة في ألمانيا مزارعيها بتزويد أبقارهم بـ (فلاتر) لترشيح غاز الميثان كما هي الحال في فلاتر السيارات التي ترشح غاز ثاني أكسيد الكربون. ذكرت دائرة البيئة آنذاك أن احتراق اللتر الواحد من بنزين السيارة يطلق 1000 لتر من غاز ثاني أكسيد الكربون، والبقرة الواحدة ''غير المفلترة'' تطلق 150 - 250 لترا من غاز الميثان كل يوم، وللعلم فقط، غاز الميثان أخطر من غاز ثاني أكسيد الكربون بـ 21 مرة. هذا يعني أن البقرة تطلق من الغازات أكثر مما تطلقه خمس سيارات.
وإمعاناً في إهانة البقرة المسكينة اعتمد علماء نمساويون وهولنديون طريقة جديدة لحساب الميزان البيئي للأبقار. وحسب طريقة الحساب الجديدة، فإن إنتاج كيلوجرام واحد من لحم الـ (ستيك)، يلحق ضررا بالبيئة يعادل ضرر سيارة تمشي مسافة 1600 كيلو متر.. تخيلوا!
يذكر أن هناك عنصرية في أبحاث هؤلاء العلماء الذين أكدوا أن انبعاثات أبقار البرازيل أكثر من انبعاثات أبقار أوروبا، كون البرازيلية تسرح وتمرح (على حل شعرها) في المروج بينما الأبقار الأوروبية (راقية) وتسكن الإسطبلات ما يقلل من انبعاثاتها إلى ضرر سيارة تمشي 111 كيلو مترا. تنطلق الدراسة لتؤيد البدائل النباتية، التي تعتبر أرحم بالبيئة من الأبقار، فإنتاج كيلوجرام واحد من التوفو (مثلاً) لا يطلق غاز الميثان، لكنه يطلق 3.8 كجم من غاز ثاني أكسيد الكربون، وهو يعادل مسافة 19 كيلو مترا بسيارة متوسطة الحجم.
أما الدجاج، وهو الهم الأكبر للقراء بعد هذه المعلومات الخطيرة، فقد أكد العلماء أنه يأتي في المرتبة الثانية بعد الأبقار، فالدجاجة التي نحن بصدد استهلاكها مع كبسة اليوم تطلق 6.4 كيلو جرام من غاز ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل مسيرة 31 كيلو مترا بالسيارة. وبهذا تنتصر الدجاجة على البقرة، هذا طبعاً لا علاقة له بالهرمونات ومنشطات النمو التي تستخدمها مزارع الدواجن.
جاء التحقيق الوارد في العدد 12249 من صحيفة ''الشرق الأوسط'' ليزيد الطين بلة، حيث يناقش البرلمان الألماني فرض ضريبة على الشحوم. هذه الضريبة تستهدف المواد التي تسهم في زيادة الوزن، وبالتالي تؤثر في صحة الإنسان وتجعله يستخدم المرافق العلاجية ويقلل من عدد سنوات حياته (افتراضياً). بمعنى آخر أن كل ما توارثناه من قيمة ثقافية اللحوم والشحوم والسمن والزيوت والسكاكر والمواد التي تحضر منها، وجميع مكونات الكرم العربي، مستهدفة بهذه الضريبة. يبدو أننا في النهاية سنضطر إلى تناول أقراص كيماوية بدلاً من الطعام، ولا يزال هناك من يقول إن (نظرية المؤامرة) كذبة!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي