رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


يا وزارتي الإسكان والعمل: «ودي أصدق»

هذا المثل الشهير ''ودي أصدق بس قوية'' قاله الممثل الكويتي سعد الفرج في إحدى مسرحياته، وصارت ردا على الأماني والأحلام التي ليس لها شاهد ولا أثر ملموس. وأخيرا كثرت التصريحات الصحافية التي صورت لنا عالما غير الذي نعيشه في الواقع.
دوما يستجيب الاقتصاد للحقائق على الأرض الاقتصادية وليس للوعود ولا للأرقام وخدعها التجريدية. في الواقع فما يهم الناس هو ما يدفعونه فعلا في مقابل السلع والخدمات. النمو الاقتصادي لا يشعر به البسطاء بقدر ما تشعر به المؤسسات الكبرى العملاقة التي سيكون التغير في نقطة عشرية بمثابة تغير بملايين الريالات. الحقائق الاقتصادية هي التي تفرض نفسها على سلوك المستهلكين وليس الأرقام المجردة ولا التفاهمات والتعهدات. وسأضرب لكم مثلا واضحا في ذلك.
بمجرد حدوث خلاف بين لجنة الاستقدام السعودية ونظيرتها الإندونيسية ارتفعت تكلفة الاستقدام ورواتب العمالة ونشطت السوق السوداء وتزايدت حالات الهروب. ثم لما توقفت التأشيرات بقرار حكومي كانت ردة السوق عنيفة جدا فارتفعت تكلفة نقل الكفالة من عشرة آلاف ريال حتى بلغت 30 ألف ريال. ومع استمرار القرار الحكومي بإقفال باب تأشيرات العمل من إندونيسيا والفلبين تجاوبت سوق العمل بسرعة، حيث أنشئت وبشكل سريع شركات متخصصة في الاستقدام واتجهت الأسواق نحو إفريقيا وبدأنا نشاهد جنسيات إفريقية في المستوصفات والمستشفيات الطبية. بالطبع هذه النتائج عبارة عن مشاهدات واستقراءات شخصية وليست بناء على دارسة علمية متكاملة، لكنها مع ذلك تبقى مؤشرات مشاهدة وملموسة، فالمرونة عالية في سوق العمل فبمجرد تغير بسيط في العرض أو الطلب تتغير الأسعار بشكل لافت.
في المقابل أعلنت وزارة العمل ومنذ مدة عن انطلاق برنامج نطاقات الذي تضمن عقوبات صارمة لغير الملتزمين به، ومنها حرية حركة العمال وغيرها كثير. كان من المفترض أن تظهر الانعكاسات الاقتصادية الملموسة لهذا التحول كما ظهرت في قرارات الوزارة بإغلاق باب التأشيرات (فمرونة العمل واحدة)، لكن الملاحظ أن الأمور لم تتغير ونطاقات حتى تاريخه لم يظهر أثره الملموس ولم تظهر الاستجابة في الاقتصاد وخاصة سوق العمل، وكل ما تم رصده هو نشاط ملموس في ظاهر السعودة الوهمية وهي سوق سوداء لبيع بطاقات الأحوال، وخاصة للنساء ربات البيوت. كان من المتوقع أن يتسبب نطاقات وحافز معا في زيادة توظيف السعوديين، ومن كان من المفترض اقتصاديا أن تظهر موجة من ردة الفعل في الأسعار، لكن ذلك لم يحدث ولم تظهر مثل هذه المؤشرات بعد وما زلت ''شخصيا'' أزور المستشفيات الخاصة والشركات (لأسباب عدة بعضها لأغراض البحث العلمي)، ولم أشاهد تغيرا يدرك في شكل وحركة العمالة. كل ذلك يجعلني أتساءل أين نطاقات فعلا؟ وفي خضم تساؤلاتي أتت وزارة العمل بتصريح رائع تؤكد فيه أن عدد إجمالي الذكور الذين تم توظيفهم منذ إعلان إطلاق برنامج نطاقات بلغ 195 ألفاً. وإجمالي الإناث الذين تم توظيفهم في برنامج نطاقات 51 ألفاً أي أنه تم توظيف 246 ألفا. وهذا رقم كبير في اقتصاد كالمملكة والوقت قصير جدا بالنسبة إلى نطاقات (أقل من 11 شهرا) لتوظيف كل هؤلاء، وبالنسبة إلى مشاهداتي البحثية فإنني ومنذ قرأت الخبر وأنا أسأل أين هم هؤلاء الـ246 ألفا؟ وأين تم توظيفهم؟ وأين ذهبت العمالة التي تم إحلالها أم أنه قد تم خلق وظائف جديدة لهم؟
نحن نعرف أن إجمالي العاملين والموظفين (سعوديين وأجانب) في المدن الصناعية وبشهادة هيئة المدن الصناعية بلغ 120 ألفا وهذه المعلومة تضعها هيئة المدن في لوحة عامة على مدخل مدينة الرياض، فأين ذهب هؤلاء؟ أو كم أصبح الرقم حاليا؟ وإذا كنا نقول بالتوظيف في المؤسسات الصغيرة والتجزئة، فأين هم من أرض هذا الوطن؟ وأين 50 ألف موظفة، وتأنيث المحال لم ينجح بعد وبشهادة الوزارة نفسها. أقول لوزارة العمل ''ودي أصدق''، ولست في ذلك مكذبا للوزارة معاذ الله، ولكنني أعتقد بأن هناك موجة واسعة جدا من السعودة الوهمية لم تتنبه لها الوزارة وأثرت في بياناتها.
وزارة الإسكان من جانبها توقع دراسة لتطوير إنشاء شبكة خدمات الإيجار، وهذا البرنامج الطموح يهدف فيما يهدف إلى تطوير قاعدة معلومات عامة تمكن من تقديم معلومات عن واقع السكن في المملكة. ثم في أحد التصريحات ورد ما معناه أن النظام يتم من خلال ربط مكاتب الإيجار بشبكة تقنية خاصة توضح معلومات المستأجرين وتاريخهم الائتماني من حيث سداد الإيجارات والتعثر، وأن المكاتب العقارية التي ستشترك فيه بشكل مجاني ومن دون أي رسوم. أي أن وزارة الإسكان ستضع بهذا النظام سيفا آخر في يد مكاتب العقار التي سيكون لها حق تصنف الناس على غرار الشركات مع نظام ''سمة'' ويجب ألا تأخذنا الدهشة إذا سمعنا قريبا عن ربط ''سمة'' ببرنامج ''الإيجارات''، وعندها يصبح المتعثر عن السداد مهما كان سبب ذلك في مهب الريح وفي قبضة التجار التي لا ترحم.
رغم تحفظي فقد يكون المشروع طموحا فعلا ومقبولا، وخاصة في مجال توفير المعلومات عن حجم العرض والطلب (لا أعرف لماذا لم يستطع التعداد توفير هذه المعلومات لوزارة الإسكان أو على الأقل يساعدها في التنبؤ بها)، لكن أن تقول الوزارة إن هذا المشروع سيعمل على زيادة الاستثمارات في سوق العقارات، وكأن المستثمرين العقاريين في حاجة إلى هذا المشروع لضمان نجاح استثماراتهم أو كأن الأسعار تنتظر هذا المشروع حتى تتحسن ويقبل المستثمرون على الاستثمار فيه. الحقيقة ''ودي أصدق'' هذا التصريح يا وزارة الإسكان لكن قوية.
ما أخشاه أن تفعل هذه الأنظمة المتراكمة التي ترجح كفة التجار والعقاريين في بروز وانتشار مظاهر الفقر على السطح بشكل تصعب معه معالجتها. ليست بأمانيكم يا وزارة العمل ولا بأماني وزارة الإسكان ولا حتى التجارة وهي تتفق مع التجار، بل من يعمل خيرا فإن الاقتصاد يجزيه عن ذلك، لكن الاقتصاد لا يهتم كثيرا بهذه التصريحات ولا بالاتفاقيات، بل يهتم بالأسعار فقط التي تلتفت للعرض والطلب وعندئذ سنصدقها لو كانت قوية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي